الدســـــــــــــــــــــــــــــــــــتـوريـة: مطلب جماهيرى وضرورة عصرية

6 يونيو 2011

من سمات هذا العصران الجماعات الإنسانية المنظمة أصبحت لا تستطيع العيش بدون أشكال وقوالب، وقوانين ولوائح تنظم حياتهم وتسهل أمورهم الإدارية وتدفعها إلى الأمام.

ومن هذا فقد اصبح من المتعارف عليه أن كل جماعة بشرية تريد النهوض والتقدم لا بد أن تحكمها القوانين وتدير شئونها عن طريق مؤسسات تتماشى وقيمها وأعرافها وما تريد الوصول إليه.

ولعل من أهم هذه القوانين التى أصبح متعارف عليها اليوم صفة الدستور. هذه الوثيقة التى توجد على قمة النظام القانونى فى الدولة، وفى العادة تعتبر أعلى القواعد القانونية داخل كل دولة عصرية.

والدستور فى الحقيقة كلمة فارسية الأصل عُربة، وهى مركبة من (دست) وتعنى قاعدة، ومن (ور) وتعنى صاحب(). هذا من الناحية اللغوية، أما من الناحية الاصطلاحية فإن علماء القانون الدستورى، يعرفونه بأنه النظام الأساسى الذى يبين ويحدد العلاقات بين الحكام والمحكومين، والذى يُبين شكل الدولة ونوع الحكومة التى تدير هذه الدولة(( وهو بأسلوب آخر القانون الذى يحدد شكل الدولة ويُبيّن السلطات المكونة لها، واختصاصات تلك السلطات وعلاقة بعضها مع بعض، والتزامات وحقوق الأفراد قبل تلك السلطات وضمان هذه
الحقوق().

الفكرة الدستوريــة
لقد أصبحت الدستورية ليست مجرد مطلب جماهيرى، فقط بل ضرورة حتمية لنجاح كل دولة عصرية. والفكرة الدستورية تقوم على أساس مجموعة من القيم والمبادئ، لعل من أهمها:

أولاً: مبدأ حق الاختيار. فحق الاختيار هو بداية الانطلاق من أجل تحقيق دولة عصرية متقدمة. وهذا الحق يعنى حق الشعب فى اختيار أدوات حكمة وتحديد كيفية وشروط العمل السياسى فى البلاد. إذ لا يمكن لأى شعب من الشعوب أن يكون حراً إذا فقد هذا الحق.

ثانياً: المبدأ الثانى الذى يجب توافره من أجل قيام الدولة الدستورية هو “محدودة السلطة” – بمعنى أن السلطة ليست مطلقة. وهذا يعنى وضع أدوات الحكم الأساسية التى اختارها الشعب- خارج سيطرة الأغلبية. وبمعنى آخر لا يمكن السماح للأغلبية – مهما كل حجمها – تغيير هذه الأدوات إلا بالإجراءات والأساليب التى يحددها الدستور. وباختصار لا بد أن تكون السلطة (أو الحكومة) قوية لدرجة تمكنها من صُنع، وتطبيق، وتفسير القوانين. ولكن – من جهة أخرى – لا يمكن أن تكون هذه الحكومة قوية لدرجة تمكنها من انتهاك حرمات وحقوق المواطنين.

ثالثاً: مبدأ القانونية. بمعنى أن الحكومة فى الدولة – وكل المسئولين فيها – ملتزمون بما قاله القانون الأساسى، ويقومون بكل أعمالهم وفقاً لسلطته. والدولة الدستورية يتمتع كل المواطنين بحقوقهم كاملة ولا يمكن لأى مسئول أخذ هذه الحقوق – أو حرمان أى مواطن منها إلا بالأساليب القانونية المشروعة.
وعليه فيمكن القول بأن وجود دستور نابع من قناعات الشعب ومعبر عن إرادتهم، ومُتمشى مع ظروفهم هو الضمان الأول والوحيد لممارسات السلطة الحاكمة ممارسة قانونية خاضعة لحدود وضوابط متفق عليها مُسبقاً.

رابعاً: المؤسسات: إن أحد أغراض الدستور هو تنظيم شكل ووظائف الدولة. وهو الذى يعرف المبادئ الأساسية التى يقوم عليها المجتمع ودولته، ويحدد أغراض نظام الحكم وكيف يمكن تحقيقها. فالدستور هو الذى يحدد الوسائل والمؤسسات التى تُمكن المواطنين بالمشاركة فى اتخاذ القرارات فالدولة الدستورية – باختصار – هى دولة مؤسسات.

خامساً: الانتخابات: وهذا يعنى بأن يتم اختيار الحكام والمسئولين فى الدولة الدستورية عن طريق الانتخابات. فالانتخابات هى الأداة الأساسية فى الحكم وعليه فلا بد أن تكون هذه الانتخابات حر وعادلة.

وفى ختام هذه المقدمة لا بد من الإشارة على أن الدولة الدستورية لا تعنى مجرد دولة لديها دستور– فكل الدول العربية اليوم لها دساتير – فهل يعنى أنها دول دستورية؟ بالطبع لا!! وذلك لأن كل الدساتير الموجودة فى الدول العربية لا قيمة لها!!!

فمهما كان الدستور مرتب ومنظم وشاملاً لكل مطالب الشعب، إلا أنه – وحدة – لا يمكن أن يُلبى رغبات وأمالى الشعب. فالدستور وحدة لا يصحح أخطاء الحكام … ولا يحل المشاكل … ولا يطعم الجياع … ولا يساعد المحرومين … ولا يحمى المظلمون.

إن الدستورالحقيقى هوالذى … يصدرعن إرادة الشعب … وتحقيق لمطالبة … وترجمة لمعتقداته وقيمة وأخلاقه… والدستور الحقيقى هو ثمرة أخلاق أبناء الأمة وتجسيد وانعكاس لفلسفتها السياسية والفكرية والثقافية أيا كانت تلك الفلسفة … وهوالمرجعية النهائية لكيفية نظام الحكم فى الدولة… ولكى يكون الدستور واقعى وعملى لا بد أن يقوم على مجموعة من المبادئ لعل من أهمها الآتى:
I. سمو الشريعة … وسيادة القانون….
II. الفصل بين السلطات …
III. حق المراقبة والتوازن …
IV. المرجعية القضائية …
V. الحقوق والحريات المشروعة ..
VI. حكم الأغلبية … وحقوق الأقليات..
VII. التعددية السياسية ..
VIII. حق التمثيل السياسى ..

I. سمو الشريعية … وسيادة القانون
كما قلت سابقاً بأن الدستور فى الدولة هو العقد الاجتماعى الذى، يربط أعضاء الأمة بعضهم ببعض … وهو الأداة التى تمنح الحكام المشروعية وثقة أعضاء الشعب فيهم … وهو الميثاق الذى، يلتزم كل أعضاء المجتمع بالمحافظة عليه … وهو التجسيد الحقيقى لكل أمانى وأحلام الشعب.

فإذا كان الدستور هو “عقد اجتماعى” …”وأداة حكم” … “وميثاق” … “وعهــد” … “وتجسيد” لأمالى الشعب المسلم فلا بد لهذا الدستور أن يُستمد من مبادئ الإسلام وغاياته. ولكى يتحقق ذلك لا بد أن يسود حكم القانون. بمعنى أن يكون شعار الدولة “حكم القانون … لأحكم الرجال” وهذا يعنى – بتعبير آخر– لا أحد مهم كانت مكانته فوق القانون.

من جهة آخر “سمو الشريعة” يعنى أن كل القوانين لا يمكن أن تخالف مبادئ الاسلام وأصوله. فكل القوانين التى لا تخالف الإسلام من السائدة فى المجتمع ولا أحد يعلوا عليها. وهنا لا بد من الإشارة إلى السيادة الشعبية التى تملك وحدها حق تقريرها بالصورة التى تراها مناسبة. وهنا يعنى بأن الدستور يتم اعتماده بناء على الإرادة الشعبية. فالشعب هو الذى يختار دستوره بالطريقة التى يراها مناسبة.

وظائف الدستور:
للدستور أغراض عديدة لعل من أهمها:
(1) تأسس دولة القانون والمؤسسات، وتحديد شكل الدولة وسلطاتها. من المتعارف عليه بأن السلطة (أوالحكومة) هى “شرلا بد منه” – إذا صح التعبير – وعليه فإن أحسن أنواع الحكم هى أقلها تسلطاً ومحدودية. والسؤال هنا هو كيف يمكن تحديد هذه السلطات وتنظيمها هى وظيفة الدستور فى كل دولة عصرية متقدمة.
(2) الدستور يحدد أغراض الدولة والوسائل التى يمكن استخدامها من أجل تحقيق ذلك.
(3) الدستور يقوم بتوزيع السلطات ويضع حدود قانونية وضوابط على هذا السلطات.
(4) الدستور هو المرجعية العلى وهو أعلى سلطة فى الدولة وكل القوانين والإجراءات فى الدولة لا بد أن تكون خاضعة له.
(5) يمكن اعتبار الدستور رمز الدولة وشعارها. إنه الوثيقة التى تعطى المشروعية للسلطة، وهو الأداة التى بموجبها تتحول الجماعة الحاكمة فى الدولة من جماعة مسيطرة بالقوة والعنف – لا سلطان عليها – إلى قيادة مختارة من قبل الشعب وتسعى لتحقيق أهدافها … وبأن الدستور محترم ومُصان من قبل الجميع – حكاماً ومحكومين … وبأن الدولة قد أصبحت دولة مؤسسات.
(6) ومن غايات الدستور وضع حدود لسلطات الدولة، أو بمعنى آخر تحديد ما يمكن القيام به, ليس هذا فقط بل الدستور يحدد فى العادة الكيفية التى يجب أن تتم بها الأشياء.

وفى الختام يمكن القول بأن فى الدولة الدستورية ليس المهم من يحكم وإنما المهم بماذا يحكم … وليس المهم قيام التعددية السياسية، وإنما المهم تأصل الحرية… وليس المهم أن يكون لدينا دستور مكتوب،(فبريطانيا – على سبل المثل – ليس لها دستور مكتوب) ولكن المهم هو احترام العهود والمواثيق سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة.

II. الفصل بين السلطات
لقد أثبتت تجارب الحكم المعاصرة بأن تركيز السلطات يقود فى العادة إلى الاستبداد والطغيان. من هذا فيمكن القول بأن لا يمكن تركيز السلطات الثلاث فى يد واحدة مهم كان نوعها أو مكانتها. إن الغرض الأساسى من الفصل بين السلطات هو منع أى فرد أو مجموعة – مهما كان حجمها – من الاستبداد بشئون الدولة.

وبالتالى فقد أصبح من المتعارف عليه فى الأنظمة السياسية المعاصرة بأن يتم الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية على أن يكون من واجبات السلطة التشريعية وضع القوانين، وتنفيذ القوانين من مهام السلطة التنفيذية، وتفسير القوانين وتحديد دستوريتها هو من واجبات السلطة القضائية أو بمعنى آخر يقوم هذا المبدأ على أساس أن هناك ثلاث مجموعات منفصلة من المسئولين هم:
(أ‌) المشرعون وهؤلاء هم الذين من حقهم صنع القرارات والقوانين وفقاً للدستور.
(ب‌) المنفذون وهؤلاء هم الذين يقومون بتسيير الدولة وتنفيذ القوانين التى أصدرها المجلس التشريعى.
(ت‌) المفسرون وهؤلاء هم الذين يملكون حق تفسير القوانين وإلغاء كل ما هو غير دستور.

والغرض الأساسى من فصل السلطات هو منع الاستبداد والاستغلال والظلم سواء إن كان عن طريق الفرد أو الجماعة، وسواء إن كان مستندٍ على حكم الأغلبية أو الأقلية.

وعليه فيجب أن تكون السلطات الثلاث مستقلة عن بعضها البعض، ولكن لكى يتم العمل بهذا المبدأ – بنجاح – لا بد لهذه السلطات أن تتعاون مع بعضها البعض. ولكى يتم ذلك لا بد أن يقترن به “مبدأ المراقبة والتوازن”.

III. مبدأ المراقبة والتوازن
إذا سلما بأنه لا بد من الفصل بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، فلا بد من التأكد بأن هذا الفصل يقودنا إلى أهدافنا المنشودة. ولكى يكون هذا الفصل بين السلطات مُثمراً وفعالاً لا بد أن يقوم على مبدأ “الاتزان وإمكانية المراقبة” لهذه السلطات على بعضها البعض. وبمعنى آخر حق المراقبة والتوازن يعنى إعطاء كل سلطة – من السلطات الثلاث – بعض الوسائل السياسية التى تمكنها من مراقبة السلطتين الآخرين بغرض تحقيق التوازن بينهما. وهذا يعطى لكل سلطة حق رفض بعض أعمال (أو قرارات) السلطات الأخرى.

والسؤال هنا:
كيف يمكن لهذه السلطات أن تراقب بعضها البعض؟ وإلى أى حدّ؟

هذا المبدأ يعنى توفر مجموعة من الآليات والوسائل التى يتم من خلالها تحقيق المراقبة بين هذه السلطات وذلك من أجل تحقيق التوازن بينها. ومن أهم هذه الآليات والوسائل الآتى:
(1) إعطاء “حق النقد” للرئيس على كل قرار يصدر من المجلس التشريعى، وفى نفقس الوقت إعطاء المجلس حق إلغاء “حق النقد” إذا وافق أعضاء المجلس بأغلبية الثلثين..
(2) يحق للرئيس ترشيح القضاة، ولكن لا يتم تعينهم إلا إذا وافق المجلس بأغلبية أعضائه على ذلك.
(3) يحق للرئيس أن يعقد اتفاقيات مع دول أخرى، ولكن لا بد من موافقة المجلس التشريعى عليها لكى تصبح سارية المفعول.
(4) يحق للرئيس دعوة المجلس التشريعى لمناقشة قضايا عاجلة ومهمة لتسيير شئون الدولة.
(5) يحق للمجلس التشريعى أدانه (اتهام رسمى) الرئيس، إذا خالف الرئيس القانون. ولكن لا يمكن تنحيته من منصبه إلا إذا وافق الشعب – فى استفتاء عام – على ذلك بأغلبية ثلثى الأصوات.
(6) يحق للمجلس التشريعى المراقبة والإشراف على كل أعمال الدولة.
(7) يحق للمجلس التحقيق فى سوء الإدارة وكل التصرفات غير القانونية من قبل مسئولى الدولة.
(8) يحق للمجلس اتخاذ قرارات (أو إصدار قوانين) رغم معارضة الرئيس. فيحق للمجلس إلغاء “حق النقد” الذى يصدره الرئيس، إذا وفق أغلبية ثلثى أعضاء المجلس.
(9) يحق للمجلس إدانة وتنحية القضاة الذين يخلون بشروط ومُتطلبات القضاء فى الدولة، وعلى أن يتم ذلك بالأساليب التى يحددها القانون.
(10) يحق للسلطة القضائية إلغاء أى قانون إذا رأت بأن هذا القانون غير دستورى.

وإلى جانب هذا الآليات هناك أساليب – ومراكز قوى سياسية – أخرى يمكن من خلالها مراقبة هذه السلطات الثلاث مثل: الأعلام الحر، والأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والمؤسسات الاجتماعية، وقوى الضغط السياسية الأخرى فى المجتمع. هذا كما يمكن تحقيق الفصل بين السلطات من جهة وتحقيق مبدأ المراقبة والتوازن من جهة أخرى عن طريق الفصل بين الفترات الانتخابية (كأن تكون فترة عضو مجلس التشريع أربع سنوات، ومدة السلطة التنفيذية خمس سنوات، ومدة القضاة خمس عشر سنة). هذا الفصل الزمنى ما بين السلطات الثلاث سيمنع أى مجموعة سياسية من السيطرة على كل شئون الدولة ببساطة نتيجة لظروف زمنية طارئة.

IV. المرجعية القضائية
هذا المبدأ يعطى السلطة القضائية فى الدولة حق تقرير دستورية كل الأعمال التى تقوم بها السلطتان: التشريعية والتنفيذية فى الدولة… وهذا يعنى أعطاء السلطة للمحكمة لتقرير ما إذا كان قانون أو مرسوم أو عملى حكومى يتعارض مع الدستور أم لا. فإذا قررت المحكمة ذلك فإن ذلك القانون يعتبر ملغياً ولا يجوز العمل به.

وعليه فهذا يجعل القضاء المرجعية النهائية لتفسير معنى الدستور والقوانين فى الدولة. وبمعنى آخر فالسلطة القضائية هى الحكم الفاصل فى دستورية قرارات وأعمال الدولة أو عدم دستوريتها.

وانطلاقاً من هذا فلا بد من وجود قضاء مستقل … يحكم بالعدل والمساواة، ولا سلطان عليه إلى القانون، والسعى من أجل تحقيق العدل. فالعدل هو الغاية الأساسية التى يسعى القضاء لتحقيقها … والعدل هو خير ضمان لحفظ حقوق الناسى وتحقيق أمانهم فى المجتمع.

V. الحقوق والحريات المشروعة
الإنسان ولد حراً ولا أحد يملك أخذ هذا الحق منه فى المجتمع – أى مجتمع مدنى – هناك مجموعة (أو قائمة) من الحقوق والحريات التى يتمتع بها كل مواطن، ولا يحق للدولة – بأى حال من الأحوال إلا فى الظروف الإطرارية – انتهاك حرمات هذه الحقوق والحريات. بمعنى آخر هذا يعنى أن كل المواطنين فى المجتمع مصانون من تدخل الدولة فى شئونهم الخاصة وحرياتهم العامة. ولعل من أهم هذه الحقوق – حق الملكية، وحق التدين، وحق التعبير، وحق الإجتماع السلمى، وحق السفر، وحق العيش الكريم المصان.

إن هذه الحقوق والحريات هى شرط ضرورى، لكل مجتمع حر يسعى من أجل تحقيق العدالة والاستقرار، الأمن والأمان لكل أبناء المجتمع. فبدون تحقيق هذه الحقوق والحريات وضمانها لكل المواطنين فى المجتمع لا يمكن تحقيق الدولة الدستورية العصرية.

توفيرهذه الضمانات لكل المواطنين يعنى – من جهة أخرى – أن الدولة تمارس سلطات محدودة يحددها الدستور. بمعنى أن السلطات يجب أن تكون محدودة فيما يمكن القيام به، ويجب ألا تتجاوز هذه الحدود مهم كانت الظروف إلا بالكيفية التى يحددها القانون.

ولعل من أهم هذه الحريات والحقوق التى يجب أن يتمتع بها كل مواطن:

أولاً: الحريات: ومن أهمها:
(1) حرية التعبير: وهى من الحريات لكل إنسان لكل إنسان لكى يعيش حراً. وهذا يعنى أن لكل إنسان الحق فى التعبير عن نفسه بما يشاء، متى شاء، وأينما شاء فى حدود القانون، وبدون تدخل الدولة.
(2) حرية الإعلام: وهى نوع من أنواع حرية التعبير، ولكن لأهمية الأعلام فقد أصبح من الضرورى التأكيد عليها وضماناً لكل المواطنين.
(3) حرية التدين: وهذا لا يعنى فصل الدين عن الدولة كما هو سائد فى الدول الغربية، وإنما تعنى ضمان الدولة لكل المواطنين حرية ممارسة شعائرهم الدينية.
(4) حرية الاجتماع السلمى وإنشاء المؤسسات الاجتماعية والسياسية وفقاً للقانون.

ثانياً: إلى جانب الحريات التى يجب أن يتمتع بها كل المواطنين:
ولعل من أهمها حقوق المتهم مثل:

o منع التجسس وانتهاك حرمات الممتلكات الخاصة بدون أذن قضائى.
o منع اعتقال أى مواطن إلا بالكيفية التى يحددها القانون.
o المتهم برى حتى تثبت إدانته….
o حرمان التعذيب الجسدى أو النفسى للمتهم…
o حق المتهم فى محامى يدافع عليه.
o يجب أن تكون المحكمة عادلة وغير سرية.
o حق المتهم فى الاستئناف.
o لا يحق إجبار المتهم على الأداء بشهادته…
o يجب أن يعرف المتهم كل الاتهامات الموجهة إليه…..
o لا يجب محاكمة أى إنسان على قضية قد برء منها فى السابق.

وهذا يعنى أن كل مرشح (أو حزب) – لكى يفوز فى الانتخابات – يجب أن يتحصل على أكثر من نصف الأصوات التى يتم جمعها فى أى انتخاب.

VI. حكم الأغلبية … وحقوق الأقليات
مبدأ حكم الأغلبية يقوم على أساس أن الأكثرية – فى المجتمع – تملك حق اختيار المسئولين وتقرير السياسات العامة فى البلاد. ففى كل الدول المعاصرة يتم اتخاذ القرارات عن طريق الأغلبية. بمعنى عندما يختلف المواطنون تكون السيادة – فى العادة – لقرار الأغلبية. والأغلبية – هنا – يجب أن تتخذ قراراتها وفقاً للدستور وقوانين الدولة… وللأغلبية معانى عدة: فقد تعنى حصول المرشح (أو الحزب) على أكثر من نصف أصوات الناخبين (أكثر من نصف الأصوات). وقد يحدد الدستور (أوالقانون) تعريفات أخرى لمفهوم الأغلبية. كتعريف مفهوم الأغلبية بمفهوم “الأكثرية”. والأكثرية – هنا – تعنى حصول الناخب على أكثر الأصوات من مجموع الناخبين وليس بالضرورة أكثر من نصف الأصوات. وهى تعنى الحصول على أكثر الأصوات – حتى ولو كان بمجرد صوت واحد.

وقد تعنى الأغلبية “الثلثين”– يعنى لا بد من حصول القرار على “أغلبية الثلثين” لكى يصبح هذا القرار سارياً المفعول … كما هو الحال فى بعض القضايا الخاصة التى يحددها الدستور – كقضية تعديل الدستور مثلاًً.

وعند الحديث عن مبدأ الأغلبية وحق الأغلبية فى اتخاذ القرارات لا بد أن ندرك بأن الانتخابات وحدها لا تحقق المساواة السياسية ولا تحمى كل المواطنين فى المجتمع. إن استبداد الأغلبية هو أقوى وأشمل أنواع الاستبداد والأسوأ من كل ذلك أن هذا النوع من الاستبداد يظهر وكأنه مشروع…. وعليه هل يجب أن تكون إرادة الأغلبية هى السائدة فى كل القرارات وفى كل الأحوال؟ بالطبع لا؟ فإذا أردنا مجتمع عادل يحترم فيه كل المواطنين فلا بد أن يكون لحكم الأغلبية حدود وضوابط يحددها الدستور. ولعل من أهم هذه الحقوق هو احترام وقداسة حقوق الأقليات العرقية والدينية.

ومن جهة أخرى، يجب على الأقليات الالتزام بالقوانين التى تصدر عن حكم الأغلبية ولكن ليس شرطاً أن تقتنع هذه الأقليات بأن هذا القانون صحيحاً وصائباً . وهذا يعنى بأن الولاء لكل من الأغلبية والأقلية فى المجتمع هو للنظام والإجراءات الدستورية فى الدولة.

VII. التعددية السياسية
التعددية السياسية ضرورة من ضرورات الحياة وشرط من شروط نجاح الحكم فى أى مكان. فالمنافسة هى سنة من سنين الحياة. ولقد أصبحت التعددية السياسية ضرورة من ضرورات الدولة المعاصرة لعدة أسباب لعل من أهمها:
(1) تنظيم وإدارة الدولة.
(2) تركيز المسئولية السياسية، حتى يمكن محاسبة كل من لا يؤدى عمله على أحسن وجهة..
(3) اختيار القضايا المهمة فى المجتمع ومحاولة تثقيف الشعب بأهميتها والسعى من أجل إيجاد الحلول لها.
(4) تجنيد وتنمية القيادات وتدريبها.
(5) التعبئة والنقاش البناء من أجهل النهوض بالمجتمع.

VIII. حق التمثيل السياسى
وهو حق كل الشعب فى اختيار من يمثلهم فى الحكومة. وهذا يعنى بأن الحكومة تقوم على أساس الممثلين الذين يختارهم الشعب. وبمعنى آخر يعنى ممارسة الديمقراطية غير المباشرة والتى عن طريقها يختار المواطنون من يمثلها فى السلطة. وهذا يقوم على مبدأ أن التمثيل هو أحسن أنواع الحكم وذلك لأن الديمقراطية المباشرة لا يمكن تحقيقها فى المجتمعات المعاصرة … والتمثيل هو أسهل الطرق لتحقيق الإجماع متى أمكن ذلك. مبدأ التمثيل يقوم على أساس أن الممثلين الذين يختارهم الشعب هم الذين يقومون بإصدار القوانين وتنفيذها.

الخاتمــــة
يمكن ختام هذه المقالة بالتأكيد بأن الدستور هو الدعامة الأساسية من دعائم المجتمع الحديث … والإصرار على الدستور والتأكيد على الالتزام به، والاستناد إليه فى كل شئون الحياة هو ما يمكن تسميته بالدستورية…

والدستورية – هنا – تعنى الأداة التى بواسطتها يتم تأسيس، وتعريف، وتوزيع، وتحديد كل السلطات الأساسية فى الدولة.

والدستورية هى الأداة التى تشمل كل الحريات والحقوق الأساسية فى الدولة، وكل أدوات ومؤسسات الحكم، وكل ما يحقق السيادة الكاملة للشعب.

والدستورية هى الرمز والشعار والميثاق الذى من خلاله يمكن تجميع كل قوى الشعب بكل طوائفه، وفلسفاته، ومناطقه الجغرافية … وهى المرجعية النهائية فى المجتمع.


من المشــــروعـية الدستـــــــورية

6 يونيو 2011

من المشــــروعـية الدستـــــــورية

ان تحقيق مبدأ المشروعية الدستورية فى اى مجتمع هى من اكبر التحديات التى تواجهه وخصوصا فى المجتمع المنقسم على نفسه الى شيع وطوائف ومناطق وذلك لانه من جهة يفتقد الى مبدا الاجماع بين ابناء الشعب. ومن جهة اخرى محاولة بعض القوى السياسية فى ذاخل المجتمع وخارجه استغلال القضايا الخلافية التى تقود الى الفرقة اكثر من الاتحاد. وعليه فانه من الضرورى على كل شعب يريد ان يكتب دستور جديد (أو يريد اعادة صياغة دستوره القديم) ان يحاول فهم ووعى هذه المبدأ الشائك وذلك لانه شرط أساسى وجوهرى لبناء أى دوله عصرية متقدمة وعادلة. ولعل من أهم الاسئلة التى أرى ضرورة الاجابة عليها الاتى:
1. ماذا نعنى بمفهوم المشروعية الدستورية؟
2. ما هى أهم أنواع المشروعية الدستورية؟
3. ما هى أهم شروط المشروعية الدستورية؟

أولا: ماذا نعنى بمفهوم المشروعية الدستورية؟
الدستور هو القانون الاساسى الذى يؤسس شكل الدولة, ويبين نوع وأختصاصات سلطاتها, ويوزع السلطات بين مؤسساتها ويحدد سلطاتها, وحقوق وواجبات المواطنيها. وفى الحقيقة ان تعريف مفهوم المشروعية الدستورية يتوقف على مجموعة من العوامل لعل من أهمها المباذى التى أسست عليها الدولة, والاهذاف التى يسعى لتحقيقها الدستور, والبيئة التى خرجت منها هذة الوثيقة الدستورية.

وبمعنى أخر يمكننا القول بأن المشروعية الدستورية تتحقق عندما يحترم ويطيع كل أبناء الشعب هذة الوثيقة التى تقوم عليها الدولة, وعندما يتم أختيارالحاكم بالطرق المقبولة من الشعب, وعندما يكون الغرض الاساسى من هذة الوثيقة هو حماية حقوق الشعب وتقييد سلطات الحاكم.

ثانيأ: ما هى أهم أنواع المشروعية الدستورية؟
قد ثم استخدام هذا المفهوم لأغراض مختلفة وبمعانى عديدة. بعض هذة المفاهيم “مغلوط” مثل مفهوم مشروعية “الغالب” أو كما يحلو للبعض ان يسميها بالمشروعية “الثورية.” وهذا المفهوم مغلوط لأسباب عديدة لعل من أهمها ان الثورة الحقيقية ليست مجرد ادعاء كما هو الحال اليوم فى أغلب الدول وخصوصا العربية وانما هى مطلب وعمل جماهيرى وارادة شعبية. فمن المسلمات التى لا خلاف عليها انه لا ثورة بدون جماهير ولا حكم حقيقى للجماهير بدون دستور. بمعنى اخر ان الدولة التى لا يوجد بها دستور لا توجد بها ثورة. وعليه فالادعاء بان ما عرف بمفهوم “الثورة فوق كل شىء” هو مجرد ادعاء لا أساس له من الصحة. ولقد اعترف بخطاء هذا المفهوم كل العقلاء حتى الذين كانوا مؤمنين به. فعلى سبيل المثال يقول الاستاد أصلان عبد الكريم أحد الشيوعيين السوريين:”أنا شيوعى وسابقى حتى اشعار اخر. ومع ذلك أقول ان لينين قال:
ان الثورة فوق القانون وتلك هى المشكلة. لا أحد فوق القانون على الاطلاق لاالثورة ولا أى شىء اخر ممكن ان يوازى هذة المسألة.”(عبد الكريم, 2002)

وعيله يمكن القول بأن ولاية الغالب ليست أصلا من المشورعية الدستورية مهما كان هذا المتغلب وذلك لانها خروج على شرط التراضى. ولذلك أجاز فقهائنا الافاضل التخلص منها كلما كان ممكنا “… واذا جازت فانما تجوز كما يجوز أكل الميتة ولحم الخنزير اّذا ألحت الضرورة فى ذلك….”(جريشه, 1986).

وبعض هذة المفاهيم “ناقص” مثل مفهوم “المشروعية الدولية” فهى مشروعية ناقصة لأنها ترتكزعلى جانب واحد فقط الا وهو “الاعتراف الدولى بنظام الحكم فى دولة معينة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.”

والنقص فى هذا النوع من المشروعية يكمن فى تجاهل الشروط والابعاد الاخرى للمشروعية الدستورية والتى لابد من توافرها لكى تتحقق المشروعية الدستورية الحقيقية. أن المشكلة الاساسية فى المشروعية الدولية هو محاولتها الفصل بين السياسات الخارجية (الدولية) والسياسات الداخلية (المحلية).

وبعض هذة المفاهيم يمكن أن نسميها مفاهيم “ميتة” مثل ما يعرف بمفهوم “المشورعية التاريخية” كما هو الحال اليوم فى الجزائر اذ يدعى أعضاء جبهة التحرير الجزائرى حقهم التاريخي فى حكم البلاد وذلك كاستحقاق لجهادهم ضذ الاستعمار الفرنسى..

والبعض الآخر من هذة المفاهيم هى المفاهيم “السليمة” مثل مفهوم “المشروعية الدستورية.” وهى تعنى هنا ببساطة ان كل القوانيين لابد ان تكون مقبولة من قبل الشعب ولكى تكون مقبولة لابد ان تكون وفقا للدستور. بمعنى ان كل قانون يجب ان يكون موضع احترام من الجميع — من السلطة التى أصدرته وحتى من الذين لايتفقون مع غرض أوهدف هذا القانون. وهذا ببساطة يعنى ايضا ان المشروعية الدستورية قد تكون نتاج مجموعة من العمليات الاجرائية التى تجعل الاوامر القانونية مقبولة حتى وان كانت غير عادلة او يعتقد البعض بانها غير مفيدة. بمعنى اخر ان وجود القانون ليس بالضرورة وجود العدل فعلى سبيل المثال هناك العديد من القوانين فى أمريكا اليوم يعتقد الكثير من الامريكيون أنها غيرعادلة ولكنهم يحترموها.

ثالتأ: ما هى أهم شروط المشروعية الدستورية؟
قد يسأل البعض عن ما هى شروط ومكونات المشروعية الدستورية وكيف يمكن ان نميز بينها وبين المشروعيات الآخرى؟ أو بمعنى اخر ماذا يجب ان تتكون منه المشروعية الدستورية؟ وفى هذا الصدد لابد من التاكيد على خمس شروط أو مكونات للمشروعية الدستورية والتى أرى ضرورة توفرها فى كل دستور لكى يكون مشروعا:

1. القبول:
ان الشرط الاول من شروط ومكونات المشروعية الدستورية هوشرط القبول. بمعنى ان المشروعية لا يمكن ان تكون افتراضية او مفروضة. وهى قبول وأحترام (وليس بالضرورة رضى) المواطنين بالسلطة والقانون. ان الدستور كغيره من العقود الاجتماعية يشترط موافقة كل المتعاقدين عليه لكى يكون مقبولا. والاصل فى الاسلام أر تصح ولاية المسلمين بغير القبول. وكل من يدرس سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم يجد انه حرص على هذا المبدا وقبل أن يلى أمور الدولة فى المدينة كانت هناك بيعة العقية الاولى وبيعة العقبة الثانية. وفى هذا الصدد يعلق الامام ابن تيميه على خلافة سيدنا أبو بكر قائلا:
“… والصديق صار إماما بمبايعة أهل القدرة … ولو قُدّر أن أبا بكر بايعه عمر وطائفه وأمتنع سائر الصحابة من بيعته لم يصر إماما لذلك. وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الناس. ولهذا لم يضر تخلف سعد (يقصد سعد بن عبادة) لانه لم يقدح فى مقصود الولاية.”(وافى, ص100). ويؤكذ الامام أبو حامد الغزالى نفس المبدا عندما يقول تعليقا على نفس الحادتة: “… لو لم يبايع أبا بكر غير عمر, وبقى كافة الخلق مخالفين لما إنعقدت الامامة. فإن المقصود الذى طلبت له الامامة هو جمع شتات الآراء. ولا تقوم الشركة الا بموافقة الأكثرية.” (العربى, 1978). والحقيقة ان هذا الشرط هو من أهم الشروط والاكثر شيوعا لفكرة المشروعية الدستورية. وهذة الشرط ينبثق من الحقيقة التى يبدا بها كل دستور والتى تقول: “نحن أبتاء الشعب نوافق ونعتمد هذا الدستور ….” وهذا يعرف فى القانون الدستورى: “بمبذا موافقة المحكومين.” وقد رفض بعض علماء القانون الدستورى مثل البروفسور راندى بارنت (استاد القانون الدستورى بجامعة بوستن بالولايات المتحدة الامريكية) هذا النظرية وذلك لانها كما يقول نظرية تقوم على أسس مثالية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع (بارلت, 2001). والحقيقة التى لا جدال فيها ان أى نظام سياسى يريد التقدم لابد من أن يكتسب القبول والمصداقية من كل أبناء الشعب. ولكى يتحقق ذلك لابد من تحقيق الاجماع حول الثوابت الوطنية وعلى وجه التحديد حول ما يعرف بالوثيقة الدستورية كثابت أساسى من هذة الثوابت.

2. القانونية:
أما الشرط الثانى من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط “القانونية.” وهى تعنى التقيد بحرفية القوانين. والقوانين تعنى ببساطه مجموعة القواعد التى تنظم الروبط الاجتماعية والتى يجوز للدولة أن تحمل الناس قسرا على إتباعها وأن تنزل العقاب على مخالفيها (رضوان, ص3). والقانونية ليست بالضرورة تعنى المشروعية.
فالمشروعية الدستورية تعنى ضرورة ان تكون القواعد القانونية التى تسنها الحكومى متفقة مع أحكام الدستور وغير مخالفة له. وهى عبارة عن الرضا بالقرارات الحكومية فى الدولة مما يجعل أعمال وتصرفات الحكومة محترمة ومقبولة. وهذا التفريق بين هذين المبدأين قد يعنى من جهة ان الاعمال والقرارات التى يتخدها حاكم اونظام حكم فى دولة ما قد تكون قانونية دون ان تكون مشروعة. فعلى سبيل المثال الكثير من القرارات والقوانين التى أصدرها نظام الحكم فى ليبيا يمكن ان يطلق عليها صفة القانونية ولكن الاشكالية انها فوقية وتسلطية وتفتقد للمشروعية. ومن جهة أخرى هناك العديد من التصرفات التى يمكن أعتبارها مشروعة من قبل الجماهير ولكن قد لا تكون قانونية وفقا لقوانين الحكم فى ليبيا. فعلى سبيل المثال ان حق الشعب فى المعارضة السلمية هو عمل مشروع, وحقه فى التعبيرعن نفسه هو حق مشروع, وحقه فى قبول الراى الاخر أورفضه هو ايضا حق مشروع. كل هذة الاعمال وغيرها يمكن أعتبارها حقوق مشروعة فى نظر أغلب الجماهير حتى ولو جرمتها قوانين حكم القدافى. والحقيقة المحزنة هو غياب هذا الشرط الهام للمشروعية فى ليبيا بل وقد نقول فى كل الدول العربية اليوم. لقد أصبح الغرض الاساسى من القانون فى هذةالدول هو حماية الحكام بينما تجد الحكام قى الدول المتحضرة فى خدمة القانون.

3. الهرمية
أما الشرط الثالت من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط “الهرمية.” وهذا يعنى ببساطة انه لكى تتحقق المشروعية الدستورية لابد من ضرورة وجود التسلسل الهرمى للمشروعية. بمعنى لكى يكون نظام الحكم مقبولا ومحترما من قبل الحكام والمحكومين فى الوطن لابد ان تكون كل اعمال وسلوكيات الحكام والمحكومين فى هذا الوطن مقبولة ووفقا للآطر المتفق عليها مسبقا. وهذا باختصار يعنى اشتراط أولا ان تكون أعمال وسلوكيات الحكام والمحكومين قانونية, وثانيا ان تكون كل القوانين والاجراءات دستورية, وثالتا ان يكون الدستور مقبولا ومحترما من قبل كل أبناء الشعب. ولعل الرسم البيانى (1) يوضح ما أقصده بالتسلسل الهرمى للمشروعية.

4. الحريات العامة:
أما الشرط الرابع من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو السماح لكل المواطنبن بممارسة حرياتهم فى حدود الدستور. والحقيقة ان كل العقلاء فى أى مجتمع يتفقون بأن الحماية والحفاظ على حريات المواطنين هى جوهر وأساس المشروعية الدستورية. وان نقطة البداية فى العملية الدستورية هى التاكيد على مبدا حق الانسان فى الاختيار. وذلك لان هذا الحق هو الركيزة الاساسية التى يجب الانطلاق منها. بمعنى قبل مناقشة الدستور يجب ان يتحقق لكل المواطنين حقهم فى أختيار نوع وافكار وهيكلية الدستور. وذلك لان حق الاختيار هو الحق الطبيعى والاساسى الذى لابد من توافره لتحقيق المشروعية فى أى دوله تريد أن تكون دستورية. فلا مواطتة بدون دستور ولا دستور حقيقى بدون اعطاء حق الاختيار لكل أبناء الشعب فى أختيار نوع الحكم الذين يريدون..

5. استقلالية القضاء:
أما الشرط الخامس والاخير من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط استقلالية القضاء. بمعنى وبأختصار شديد يمكن القول بأنه لا يمكن الحديت عن المشروعية الدستورية وعن مبذأ سيادة القانون وعن دولة المؤسسات وعن تحقيق الحريات العامة الا يوجود نظام حكم به قضاء مستقل ويؤمن بمبدا الفصل بين السلطات. وبمعنى أخر لكى تتحقق المشروعية الدستورية فى أى دوله لابد ان يطبق الدستور وأن تكتسب كل التصرفات والاقوال والافعال الصبغة القانونية. وبمعنى أخر ان أى تصرف أو ممارسة نخالف ما نص عليه الدستور يجب ان يحكم عليها بالبطلان وتفتقد مشروعيتها.

رابعا: خاتمة: دعوة وتحدّى
فى ختام هذا المقال القصير حول المشروعية الدستورية لا أملك الا أن أدعو كل مؤطن ليبى شريف وكل مواطنة ليبية شريفة الى الأهتمام ومحاولة فهم مبدأ المشروعية الدستورية والسعى الجاد من أجل تحقيق شروطه ومكوناته فى أى دستور جديد لدولتنا الدستورية الثانية. أن التحدى الاساسى الذى سيواجه مؤسيسوا دولتنا الدستورية الثانية فى وطننا الحبيب ليبيا هو تحقيق هذه الشروط الضرورية الخمسة التى ذكرتها أعلاه ألا وهى: القبول, والقانونية, والهرمية, والحريات العامة, واستقلالية القضاء. ان فقدان أى دستور لأى شرط من هذة الشروط الخمس سوف يفقده مشروعيتة ويكون دستورا ناقصا ومجرد أداة يمكن للحاكم استغلالها وتسخيرها لخدمة أغراضه الخاصة.
فهل بالامكان أن نسعى جميعا من أجل: كتابة دستور تتوفر فيه كل هذة الشروط الخمس ويشارك فيه كل أبناء الشعب؟ والاجابة باختصار: نعم بالامكان …
فهيا بنا نسير جميعا الى الامام من أجل تحقيق هذا الهدف السامى …

والله المستعان.

________________________
الهوامش:
- المشروعية الدستورية: مداخلة الاستاد أصلان عبد الكريم. منتـدى جمـال الأتاسـي. للحوار الديمقراطي. المحاضرة الخامسة. 2 فبراير 2002.

http://www.geocities.com/montadaatasi/n-manj.htm

- المستشار الدكتور على جريشة “المشروعية الاسلامية العليا.” (1986) دار الوفاء, ص217
- Barnitt, Randy E. (2001) “Constitutional Legitimacy.” Georgetown University Law enter.

http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=291145

- فتحى رضوان (1966) “الدولة والدساتير.” دار النهضة العربية.

- د. على عبد الواحد وافى (1968) ” الحرية فى الاسلام.: سلسلة (أقر – 304). دار المعارف بمصر

- د. محمد العربى (1978) “النظم الاسلامية.” الجزء الثانى


مـــــن الإرث الدستـــــــوري

5 يونيو 2011

لعل من أهم مكونات التاريخ السياسى لاى دولة هو مجموع التشريعاات الدستورية والاعراف والتقاليد السياسية والوثائق التاريخية والقوانين التى كانت جزء لا يتجزى من تكوينها عبر التاريخ. وعلية فان محاولة التأمل والتحليل فى الارث الدستورى هو امر مهم وضرورى من اجل بناء اى دولة عصرية تسعى من أجل تكريم الانسان وسعادته. ولكى يمكن توظيف ارث الدولة التوظيف الصحيح لابد على هذا الدولة ان تستفيد من تجارب الاخرين فى هذا الصدد. والحقيقة ان هناك العديد من الاسئلة التى يجب التعاطى معها فى هذا الشأن لعل من أهمها الاتى:
1. ماذا نعنى بالارث الدستورى؟
2. هل الارث الدستورى مهم لبناء الدول؟
3. كيف تعاملت الدول الآخرى مع إرثها الدستورى؟
4. ما هى علاقة الارث الدستورى بالمشروعية؟

أولا: ماذا نعنى بالارث الدستورى؟ بداية لعله من الجدير بالذكر هنا ان أشير الى ان مصطلح الدستور بمعناه الحديت (أى بالمعنى الذى نستخدمه اليوم) لم يكن مستخدما قبل القرن السابع عشر ميلادى. ولعل أول أستخدام لهذه الكلمة وفقا لقاموس أوكسفورد كان عام 1610 عندما قام الراهب هوول بتعريف هذا المصطلح (ماكوين, 1961, ص 25). وعليه فأن ما أقصده بالارث الدستورى هو كل التجارب الدستورية التى عاشتها دولة ما. وسوى ان كانت هذه التجارب الدستورية مكتوبة ام غير مكتوبة فهى جزء لا يتجزى من الارث الدستورى لهذه الدولة. وبمعنى آخر فان الارث الدستورى يشمل كل ما تركه لنا الاباء والاجداد سوى ان كان موصى به أم مجرد ثراث وثقافة. وسوى ان كان فى هيئة دساتير أوقوانين أوأعراف أوتقاليد (مكتوبة اوغير مكتوبة) ساهمة فى بناء الدولة.

ثانيا: أهمية الارث الدستورى فى بناءالدول وهنا قد يسأل سائل فيقول: لماذا يجب على كل شعب يريد ان ينهض ان يهتم بارثه الدستورى؟ والحقيقة ان هناك دوافع عديدة وأسباب مختلفة قد تدفع شعب من الشعوب بالاهتمام ودراسة إرثه الدستورى لعل من من أهمها: (1) إستفادة الانسان من تجارب الماضى وتعلمه ما يجب ان ياخد وما يجب ان يترك. بمعنى مختصراخد ما هو صالح وترك ما هو ضار. (2) التعرف على انواع الدساتير التى وجدت فى تاريخ الشعوب وايضا الاعراف والتقاليد التى لعبت دور أساسى فى تكوين الدول. (3) تكوين وتطوير الثقافة الدستورية فى المجتمع. ان غياب الثقافية الدستورية فى دولة ما سوف يعرض مواطنيها لعدم معرفة ما هى اهم القيود أوالحدود القانونية التى يجب ان توضع على السلطات حتى لا تستبد وتطغى, ومن جهة آخر ما هى أهم مسؤوليات الحكام أمام شعوبهم. وبمعنى آخر ان معرفة الارث الدستورى يساعد المواطنيين على فهم أهم عنصرين للمشروعية الدستورية وخصوصا القيود القانونية للسلطات حتى لا تستبد وتطغى, ومسؤوليات الحكام أمام شعوبهم. و(4) دراسة الارث الدستورى يساعد مواطنى البلد على معرفة وفهم دستورهم وغاياته وركائزةومن ثم يسهل علهم مقارنته بما انجازته الشعوب المتقدمة فى هذا الصدد.

ثالثا: تجارب الآخرين مع إرثهم الدستورى لعل من المناسب هنا ان أقوم بتلخيص ست (6) تجارب دستورية من ست دول معاصرة لنرى كيف ثم التعامل مع قضية المشروعية الدستورية وكيف ثم انتقالها من جيل الى جيل. وهذه الدول هى الولايات المتحدة الامريكية وألمانيا وفرنسا وايطاليا وأسبانيا واليابان. وحتى لا يعتقد البعض من أخوتى أعتقادات أخرى فى أسباب أختيار هذه العينة من الدول أقول ان السببين الرئسيين ورى هذا الاختيار هما: (أ) ان هذه الدول قد نجحت فى تعاملها مع أرثها الدستورى بالرغم من التحديات التى واجهتها, (ب) ان هذه الدول ولأسباب مختلفة قامت بتغيير دساتيرهااكثر من مرة. و(ج) قناعتى وايمانى ان الحكمة ضالة المؤمن فان وجدها فهو أولى بها. وعليه فلابد ان ناخد أحسن ما عند الغير بما لا يتعارض مع قيمنا ومعتقداتنا ودون ان نخسر أحسن ما عندنا. ومن أهم القضايا التى سوف يرتكز عليها حديتى وباختصار شديد جدا هى قضية الارث التاريخى للمشروعية الدستورية فى هذه الدول. بمعنى كيف تعاملة هذه الشعوب مع دساتيرها المكتوبة (والغير مكتوبة) عبر التاريخ؟

(1) تجربة الولايات المتحدة الامريكية بعد اعلان المستعمرات الثلاثة عشر (13) انفصالها واستقلالها من الهيمنة الانجليزية عام 1776 لم يكن هناك ما يجمع هذه المستعمرات الا مؤسسة واحدة للتنسيق فيما بينها عرفت بــ “الكونقرس القارىّ.” ونتيجة للخوف من عودة الانجليز للسيطرة علهم من جديد أخدت هذا المستعمرات تسعى لايجاد وسيلة تجمعهم وتوحدهم ضدّ العدو المشترك. وبالفعل استطاعوا فى عام 1777 الاثفاق على أول وثيقة دستورية عرفة بــ “البنود الثلاثةعشر للكوفدرالية.”ولم يثم أعتماد هذه البنود الا فى عام 1781. أى بعد أربع سنوات من الجدال والاخد والعطاء. وبهذا الاثفاق ثم تأسيس وانشاء ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة الامريكية. أى بعد خمس سنوات من اعلان أستقلال هذه المستعمرات. وتعتبر هذه الوثيقة هى أول دستور للولايات المتحدة الامريكية. بمعنى هى الوثيقة المنشئة والمؤسسة لدولة الولايات المتحدة الامريكية. وبمعنى آخر قبل هذه الوثيقة لم يكن هناك وجود لبلاد اسمها الولايات المتحدة الامريكية. ولعل من أهم بنود هذه الوثيقة (أ) تساوى الولايات فى الثمتيل فى الكونقرس بغض النظرعن عدد السكان ورفض فكرة الثمتيل النسبى. (ب) منع الدولة من فرض ضرائب على المواطنيين. (ت) السيادة العليا للولايات وليس للحكومة الكوفدرالية. (ج) منع الحكومة المركزية من تأسيس جيش اتحادى والاعتماد على ماليشا الولايات فى الدفاع على الدولة الجديدة. (د) لا وجود للسلطات القضائية والاعتماد على السلطات القضائية فى الولايات. بمعنى رفض فكرة وجود سلطة قضائية اتحادية. (ه) لا وجود للسلطة التنفيدية فى هذه الدولة الجديدة ورفض فكرة وجود رئيس للدولة الاتحادية (للمزيد أنظر: سدّلو وهنشن, 2000, ص 30 -33). وما ان ثم أعتماد هذا الدستور الجديد والعمل به حتى أرتفعت الاصوات مرة آخرى مطالبة باجراء تعديلات عليه. وثم ذلك عام 1787 أى بعد حوالى سبع سنوات من اعتماده. ففى هذه السنة قامت النخب السياسية فى الولايات بالدعوة الى دراسة عيوب هذا الدستور ومحاولة مواجهة التحديات التى كانت تهدد الدولة الجديدة. وبالفعل لبت الدعوة لهذا الطلب أثنى عشر (12) ولاية من مجموعة الثلاثة عشر (13) ولاية. وبالفعل ثم إجتماع 55 ممثل لهذه الولايات فى مدينة فاليدلفيا لمدة 116 يوم (من مايو 25 الى سبتمبر 17 عام 1787). وكانت خلاصة هذا المؤتمر الاتفاق على دستور جديد مخالف ثماما للدستور الذى أتفقوا علية سبع سنوات مضت. وثم أعتماد هذا الدستور الجديد بعد ثلاث سنوات من الجدال أى فى عام 1790. وبذلك فقد ثم استبدال الدستور المؤسس والمنشىء لدولة الولايات المتحدة الامريكية بدستور جديد ينص على نظام حكم مناقض ثماما للنظام القديم. وبذلك يكون دستور 1790 هو الدستور الثانى والذى لا يزال يحكم الولايات المتحدة حتى هذا اليوم(للمزيد أنظر: باردس وآخرين, 2000, ص 39 – 53 ).

(2) التجربة الالمانية لعله من المناسب عند الحديت عن الارث الدستورى الالمانى المعاصر ان أبدى بقدوم بسمارك للسلطة وتأسيس ما يعرف فى التاريخ الالمانى بالامبرطورية الالمانية الثانية (1871 – 1918). وثم بذلك انشاء الدولة الالمانية الموحدة بعد مئات السننين من الفرقة والتشردم. كانت هذه الامبراطورية دولة مركزية شبه مستبدة لها هدف وحيد هو توحيد الشعب الالمانى والسعى الى تقدمه مهما كلف الثمن. لقد قامت هذه الامبراطورية بتطبيق سياسات “الحديد … و … الدم” التى كان يؤمن بها مستشارها بسمارك كوسيلة وحيدة لتوحيد الشعب. وبالفعل قامت هذه الامبراطورية بتوحيد كل الشعب الالمانى تحت مظلة واحدة بعد ان كان منقسم الى دويلات صغير وضعيفة. وبتكوين وانشاء هذه الامبرطورية استطاعة ألمانيا التقدم صناعيا ومدنيا. واستطاعت ايضا ان تنافس كل الدول القوية حين ذاك وخصوصا فرنسا وبريطانيا. ولكن بالرغم من هذا التقدم الثقنى والصناعى الا ان أساليبها فى الحكم لم تتغير وكان النظام الدستورى الجديد الذى اقامه بسمارك عام 1871 مجرد نظام مركزى يتشارك فيه الامبراطور والمستشار فى السلطات التنفيدية وله ايضا نظام برلمانى شبه مستقل.
واستمر حكم هذه الامبرطورية حتى ثم هزيمتها فى الحرب العالمية الاولى (1914 – 1918) وتم استبدالها بنظام جمهورى عرف بجمهورية وايمر فى يناير من عام 1919. وكنتيجة لذلك قام الشعب الالمانى باختيار جمعية تاسيسية كان من مهامها اعداد دستور جديد للدولة. وما ان ثم انتخاب اعضاء هذه الجمعية حتى ثم اجتماعهم فى مدينة وايمر والتى عرف الدستور باسمها. لقد كان دستور جمهورية وايمر (1919 – 1933) وبحق من أروع الدساتير فى تلك الفترة. فقد تضمن العديد من البنود التى لعل من أهمها تاسيس نظام برلمانى يتم انتخاب اعضائه من قبل الشعب وبالاسلوب المباشر. ويتم انتخاب الرئيس بالانتخابات المباشرة ايضا. وكان الغرض الاساسى من تأسيس هذا النظام الجديد بعد الحرب العالمية الاولى هو محاولة اقامت نظام سياسى يحول دون رجوع ظاهرة الاستبداد بالحكم فى المانيا. ولكن النتيجة هو ان هذا النظام المفتوح الذى اسسه هذا الدستور قد اصبح خلال مدة قصيرة جدا عاجزا عن اتخاد اى قرار ضرورى ومهم خصوصا فى فترة الازمات التى واجهة البلاد وذلك لكثرة مراكز القوى وتعدد الاحزاب السياسية وخصوصا الصغيرة منها مما احال دون تشكيل حكومات قوية وفاعلة. واستمر هذا الوضع الغير مستقر حتى قام رئيس المانيا فى يناير 1933 بالطلب من هتلر (الذى تحصل على 51% من مجموع الاصوات) بتشكيل الحكومة. وخلال شهرين من استلام هتلر منصب المستشار قام حزبه باصدار قانون يعطى هتلر كل السلطات فى البلاد. ونتيجة لذلك قام هتلر بالغاء البرلمان وتعطيل كل القوانين المتعلقة بالحريات واعلن ما أسماه الامبراطورية الثالثة (1933 – 1945). واستمر هتلر فى الحكم حتى إنهزم على ايدى الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية واعلنت القوات النازية الاستسلام فى مايو 1945 (هانكوك, 1998, ص 220). ونتيجة لاحتلال المانيا من قبل القوات المنتصرة تم تقسيمها الى دولتين (المانيا الغربية تحت سيطرت الحلفاء والمانيا الشرقية تحت سيطرت الاتحاد السوفييتى).وما ان دخلت القوى المنتصرة المانيا حتى واجهت معضلة لم يكن من السهل التعامل معها: فمن جهة كانت تريد ان تسمح للالمان المقيمين فى القسم الغربى من ألمانيا ان يحكموا انفسهم بانفسهم وان يصبحوا دولة ديمقراطية واكثر تطورا من ألمانيا الشرقية التى سيطر عليها الاتحاد السوفييتى. ومن جهة أخرى كانوا متخوفين من الشعب الالمانى ومقدرتة على النهوض مرة آخرى. وفى النهاية اتفقوا على ان يكون النظام الجديد ضعيف واللامركزى بشرط الا يكون ضعيف جدا وعرضة للاستبداد من جديد.
وعندم ثم كتابة الوثيقة لجمهورية المانيا الغربية لم يطلق على هذه الوثيقة اسم الدستور وانما أطلق عليها اسم “القانون الاساسى.” وذلك لان مصطلح الدستور كان يعنى لهم وجود مجموعة من الترتيبات والقوانين الدائمة. ولان المؤسسين للدولة الفدرالية الجديدة لا يريدوا الاعتراف بالتقسيم لدولتهم ولهذا ثم الاتفاق على تسميته بالقانون الاساسى (أنظر: ماير وآخرين, 1996, ص 198). والاطرف من هذا كله هو ان الذين ساهموا فى كتابة القانون الاساسى قد أصروا ايضا على ان تتضمن هذه الوثيقة شرطين أساسيين: الشرط الاول ينص على انه يسمح لاى ولاية جديدة ترغب فى الانضمام ان تقدم طلب الى البرلمان من اجل ذلك. اما الشرط الثانى فينص على ان القانون الاساسى سوف ينتهى مفعوله بمجرد اعتماد الشعب الالمانى دستور جديد (هانكوك, 1998, 310 – 311).
وبالرغم من ان هذه الوثيقة (أوالقانون الاساسى) لم تفرض على الالمانيين الا ان دول الحلفاء قد وضعت لهم خطوط حمراء وشروط لابد على النظام الاساسى ان يتظمنها. لعل من أهم هذه الشروط ان يكون الحكم ديمقراطى برلمانى والا يتضمن اى منصب يتم انتخابه من قبل كل ابناء الشعب. وايضا شرط التخلص من الجيش وتبنى السياسات المسالمة. وان تقوم ألمانيا بتعويض الدول المتضررة من الحرب. بمعنى آخر لقد كان القانون الاساسى انعكاس للسياسات التى كانت ترغب الولايات المتحدة وحلفائها تحقيقها. واستمرت هذه الوثيقة الى ان ثم اعلان وحدة ألمانيا فى ثلاث اكتوبر 1990. ولعله من الملفت للنظر انه بالرغم من ان القانون الاساسى الذى اعتمده الشعب فى المانيا الغربية عام 1949 قد تضمن الشرطين المذكوران اعلان الا ان القوى السياسية فى المانيا الموحدة لم تتفق على الدستور الجديد الا بعد سنوات من النقاش والجدال ومشاركة الملايين من المواطنيين.

(3) التجربة الفرنسة لعل من الملفت للنظر فى التجربة الفرنسية ان التحول من النظام الملكى الى النظام الجمهورى قد حدت فى فرنسا مرات عديدة وباساليب راديكالية فى كثير من الاحيان. فما ان قامت الثورة الفرنسية فى 14 يوليو 1789 وتم اعلان الحكم الجمهورى فى البلاد وإعتماد دستورها من الشعب واعلان وثيقة حقوق الانسان والمواطن حتى انتكست. فبالرغم من نجاح هذه الثورة المدهل الا ان قياداتها لم تكن مؤهلة الى بناء الدولةالجديدة على أساس ديمقراطى واحترام حقوق الانسان. وسرعان ما سيطر على هذه الثورة الغوغائيون الذين كانوا يؤمنون بسياسة الثار والانتقام., فقاموا بقتل الآلاف من الابرياء وساد الارهاب فى البلاد. مما قاد الى اعتقاد الكثيرين بان الفرنسيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم. وكان من اهم أثار هذه المرحلة هو خلق الانقسام الفكرى بين الفرنسيين وانتشار عدم ثقة الشعب فى السياسة والسياسيين والذى لا تزال فرنسا تعانى منه الى يومنا هذا. وخلال العشر سنوات الاولى من تاريخ الجمهورية الاولى قام الشعب الفرنسى باعتماد ثلاث دساتير مختلفة عن بعضها البعض وخصوصا فى هيكلية الحكم ( فى الاعوام: 1791, 1793, و1795). وبعد عشر سنوات من قيام الثورة وتاسيس الجمهورية الاولى ( 1789 – 1799) التى أسست وكونت الدولة الفرنسية الحديتة قام الجنرال نابليون بونبرت فى نوفمبر 1799 بانقلابه وكتابة دستور جديد ونصب نفسه رئيسا للبلاد. وخلال خمس سنوات من توليه الحكم (أى فى عام 1804) نصب نفسه امبراطور وبذلك ثم تكوين ما عرف بالامبراطورية الاولى فى تاريخ فرنسا المعاصر. وبعد عشر سنوات (أى فى عام 1814) تنازل نابليون على السلطة بعد هزائمة المتعددة ولكن ما لبت ان استولى على السلطة مرة آخرى عام 1815 وقام الشعب باعتماد دستور جديد. ولكن خلال المئة (100) يوم من رجوعه للحكم تمت هزيمته مرة آخرى على ايدى الانجليز الذين قاموا بتنصيب الملك لويس الثامن عشر كملكا مطلق السلطات على فرنسا. واستمر الملك لويس فى الحكم الى قيام الانتفاضة الشعبيه الثانية عام 1830 وكان نتيجتها تأسيس مملكة دستورية. وقام الشعب الفرنسى باعتماد دستورها الجديد فى استفتاء شعبى. واستمرت هذه المملكة الدستورية حتى الانتفاضة الثالثة عام 1848 والتى أجبرت الحكومة على اصدار قانون حق التصويت العام الذى قاد الى تاسيس الجمهورية الثانية (1848 – 1852). ولقد ثم اعتماد دستورها الجديد عام 1845 ونتيجة لذلك ثم انتخاب لويس نابليون بونابرت رئيسا للجمهورية. وفى عام 1852 قام رئيس الجمهورية لويس نابليون بونابرت باعلان الامبراطورية الثانية واعطاء نفسه لقب نابليون الثالث. وفى عام 1852 قام الشعب الفرنسى فى استفتاء عام باعتماد دستو جديد لهذه الامبراطورية. واستمر حكم الامبراطور بونابرت الثالث حتى عام 1870 عندما انهارت امبراطوريته نتيجة للغزو الالمانى وثم حكم البلاد لمدة سنه عن طريق حكومة انتقالية. وفى 1871 قامت انتفاضة شعبية فى باريس قادت الى تأسيس الجمهورية الثالثة (1871 – 1940). ولعل أهم ما يميز هذه الجمهورية: (أ) تطبيق مبدا “سيادة البرلمان” (ب) تطبيق مبدا “الثمتيل النسبى.” (ج) انقسام الشعب الى يمين يتزعمة الملكيون, ويسارغير متحد. و(د) أنتشار ظاهرة الصراع بين اليمين واليسار الى درجة يمكن تشبيهها بما يدور اليوم فى لبنان بمعنى “دولة لا غالب ولا مغلوب.” وبالرغم من ان الجمهورية الثالثة قد استمرت اكثر من أى نظام حكم فى تاريخ فرنسا المعاصر (أى حوالى 70 سنة) الا انها لم تقم على أساس دستور مكتوب وموصنف بل قامت على اساس ثلاث قوانين دستورية اساسية ثم اعتماد اثنين منها فى 24 و25 فبراير 1875 والثالث يوم 16 يوليو 1875(أنظر: فاينر, 1977, ص 282). ومن أهم المؤسسات التى قامت عليها هذه الجمهورية هو البرلمان الذى تكون من مجلسين ورئيس للجمهورية يتم انتخابة من البرلمان نفسه. ولعل من أهم العوامل لأستمرار الجمهورية الثالثة هو عدم وجود أى الآليات دستورية لكيفية تعديل القوانين الاساسية فى الدولة. ولقد استمرت الجمهورية الثالثة حتى ثم سقوطها عندما أحتلت ألمانيا فرنسا فى بداية الحرب العالمية الثانية عام 1940.وبعد هزيمة المانيا ودخول ديغول فرنسا منتصرا قام بتكوين حكومة إنتقالية عام 1944 وثم تكوين جمعية عمومية من أجل كتابة دستور جديد للبلاد. وبالفعل ثم فى عام 1946 اعتماد الدستور الجديد للبلاد وثم بذلك تاسيس الجمهورية الرابعة (1946- 1958). والطريف فى الامر ان ديقول قائد تحرير فرنسا كان يطالب بنظام حكم تكون فيه السيادة للسلطة التنفيدية. ولكن عندما وضع الدستور من قبل الجمعية التاسيسية وثمت الموافقة عليه من قبل الشعب وكان عكس ما كان يرغب ديقول, اضطر ديقول الى اعتزال السياسة والامتناع عن المشاركة فى نظام الحكم الجديد (أنظر: بومار, 2004, ص 132). وكان من اهم سيمات هذه الجمهورية هو انها كانت غير مستقرة وذلك بسبب النظام البرلمانى وايضا النظام الانتخابى الذى كان يقوم على اساس الثمتيل النسبى الغير مشروط. بمعنى اذا تحصل حزب ما على سبيل المثال على 5% من مجموع الاصوات فان هذا الحزب سوف يكون نصيبه 5% من المقاعد فى البرلمان. وهذا النظام الانتخابى قاد الى ان تكون الجمهورية الرابعة مجرد”كلام بدون عمل … وصراع بين القوى السياسية بدون نتيجة” وكانت نتيجة ذلك الصراع السياسى هو قيام 27 حكومة ائتلافية فى اقل من 12 سنة. ولهذه الاسباب ثم قيام وتأسست الجمهورية الخامسة لإعطا الحكومة وخصوصا الرئيس كل السلطات التى تمكنه من اتخاد القرارت وخصوصا الهامة والمصيرية منها (أنظر: كازلمن, 2009, ص107). ولعل القضية الرئيسية التى عجزت الجمهورية الرابعة على التعامل معها بنجاح وقادت فى النهاية الى اسقاطها هى قضية الجزائر. ونتيجة لعجز السياسيين فى هذه الجمهورية على حل قضية الجزائر واضطرارهم الى الاستنجاد بالجنرال ديقول عام 1858 ومطالبته بقيادة الحكومة وان يعمل كل ما يستطيع على حل هذه الازمة. قبل ديقول هذا العرض بشرط واحد هو ان تقوم فرنسا بكتابة دستور جديد للدولة, وان يثم عرض هذا الدستورعلى الشعب مباشرة فى استفتاء عام من اجل قبوله او رفضه وبدون اعطاء حق التعديل اوالاضافة علية من قبل البرلمان. وبالفعل وافقت الحكومة والبرلمان على ذلك, وأمر ديقول صديقة المحامى ماكل ديبرى بكتابة مشروع الدستور (أنظر: فرنكلند, 2009, ص 107). وثم كتابته كما يريد الجنرال ديقول والموافقة عليه فى استفتاء شعبى وبدلك تم تكوين الجمهورية الخامسة (1958 – الان). وبهذه الخطوة استطاع ديقول تحويل النظام الفرنسى من نظام برلمانى الى نظام رئاسى/ برلمانى. بمعنى يشبه النظام الامريكى فى الرئاسة ولكنه ايضا يشبه النظام البريطانى فى فكرة البرلمان (أنظر: بومار, 2006, ص 101 – 107).

(4) التجربة الايطالية الحقيقة ان ايطاليا لم فى تكن فى بداية القرن الثامن عشر الدولة العصرية التى نعرفهااليوم. فقبل 1860 كانت ايطاليا منقسمة الى دويلات صغيرة وفى خلافات دائمة مع بعضها البعض. ولم يقم بين الايطاليين الشعور بالوحدة الا بعد غزو نابليون لهذه المنطقة فى نهاية القرن الثامن عشر (أنظر: ولسن, 1999, ص 283). وبعد ان تمت الوحد بالقوة عام 1870 تكونت وتأسيس أول مملكة دستورية فى تاريخ ايطاليا المعاصر.
ولعل من أهم خصائص هذه المملكة: (أ) وجود ملك يملك ويحكم وله صلاحيات غير محدودة. (ب) الفصل ولاول مرة فى تاريخ إيطاليا بين الكنيسة والدولة. وبذلك خسرت الكنيسة ولأول مرة فى تاريخها نفودها السياسى وانحصرت سلطاتها فى الجانب الدينى مما أذى الى تقلص نفودها الجغرافى الى منطقة صغيرة جدا تعرف اليوم بالفاتكان. (ج) ونتيجة لذلك قامت الكنيسة بمعارضت الملك ومنع أنصارها من المشاركة فى اى عملية سياسية يقوم بها. كل هذا مهذا الى قدوم موسلينى وتاسيس العهد الفاشى الذى حكم ايطاليا من 1924 الى 1944. لقد قام موسولينى عام 1924 بتأسيس نظام جديد يقوم على أساس الحزب الواحد عرف بالحزب الفاشى وترك الملك فى منصبه. واستمر موسولينى فى الحكم حتى أحتلت قوات الحلفاء ايطالي فى عام 1943 قام الملك بمحاولة انقلاب فاشلةعلى حكومة موسلينى والتحالف مع قوات الحلفاء. وكنتيجة لهذاالتحالف قام الملك بانقاد ايطاليا من سيطرة الحلفاء والسماح للايطاليين بتقرير مصيرهم بأنفسهم. وبالرغم مما قام به الملك الا ان الشعب الايطالى قام عام 1946 بأنتخاب جمعية تأسيسية جديدة لإعداد دستور جديد للبلاد. وبالفعل ثم اعتماد الدستور الجديد فى استفتاء عام (بنسبة 54% من مجموع الاصوات) يوم 2 يونية 1946. وكانت نتيجة ذلك انهاء النظام الملكى وتأسيس نظام جمهورى يقوم على أساس الحكم البرلمانى ونظام الانتخاب النسبى (أنظر ماكريدس, 1972, ص 491).

(5) التجربة الاسبانية أسبانيا الحديتة أصبحت مملكة متحدة مند 1833. وإستمرت فى الحكم حتى عام 1931 عندما طالب الشعب الاسبانى بتأسيس نظام جمهورى. وبالفعل تنازل الملك الفونسو الثالث عشر عن العرش وترك البلاد (نذى روويل, 2009). وبقيام الجمهورية (1931 – 1939) دخلت البلاد فى حرب أهلية ذهب ضحيتها اكثر من 350000 مواطن من الطرفين. ونتيجة لإنتصار الجنرال فرانكو فى الحرب الاهلية على القوى اليسارية والجمهورية قام بتعيين نفسه رئيسا للدولة الاسبانية الجديدة. والحقيقة ان فرانكو قد ثم الاعتراف به من قِبل بريطانيا وفرنسا كرئيس لدولة اسبانيا قبل ان ينتصر فى الحرب الاهلية. وبالرغم من ان حكم فرانكو كان حكما دكتاتوريا وفاشيا الا انه كان مؤيدا من قِبل الملكيون والقوميين والجيش وايضا من قبل الكنيسة الكاثوليكية. ونتيجة لهذا التائيد قام فرانكو بمناصرةالكنيسة واعاد لها دورها فى المجتمع وارجاع كل ممتلكاتها. ومن جهة آخرى قام فرانكو بمحاربة وطرد كل القوى اليسارية والاشتراكية والليبرالية فى البلا.د.

اما عن موقف فرانكو من الملكية فكان موقف متردد وغير واضح. فمن جهة كان لا يعارض وجود المملكة من حيت المبدا ولكن كان لا يرغب فى وجود ملك (أو اى قائد آخر فى هذا الشان) لمنافسته خلال مرحلة حكمة. وكان حله لمشكلة ما يمكن ان نطلق عليه بالفراغ الملكى (بمعنى وجود مملكه بدون ملك) هو ان يترك المؤسسات الملكية تستمر ولكن لا دور لها. واستمر الحال الى عام 1947 عندما أعلن فرانكو أسبانيا دولة ملكية ولكن ذون ان يعلن من هو الملك الا انه كان يتصرف وكأنه ملك غير متوج. ونظرا لانه كان يعلم بان حكمه سوف ينتهى يوما ما فقد حاول (وخصوصا فى الايام الاخيرة من حكمة) بتقريب أحد أعضاء الاسرة المالكة له بشرط الا يكون الوريت الحقيقى للعرش (أنظر: فرانكلند, 2009, ص 219). ونتيجة لذلك قام فرانكو فى عام 1969 باعطاء السيد “هوان كارلوس” لقب ولى عهد أسبانيا بالرغم من انه ليس هو الوريث الحقيقى لعرش الملكة السابق فى أسبانيا وايضا لا وجود للملكية من الناحية العملية. وقام هوان كارلوس نتيجة لهذا القرار بتائيد فرانكو تائيد مطلق وولاء كامل وغير مشروط. وعندما مات الدكتاتور فرانكو فى 22 نوفمبر 1975,استلم ولى عهده الامير هوان كارلوس الامور ونصب نفسه ملك للبلاد.
وخلال عامين من تسلم هوان كارلوس السلطة وتنصيب نفسه ملك, وبالتحديد فى عام 1977 قام الشعب الاسبانى بانتخاب اعضاء البرلمان الجديد وفى جلسته الاولى تحول البرلمان الى جمعية تأسيسية لاعداد الدستور الجديد. وقامت الجمعية التأسيسية بانتخاب لجنة متخصصة من سبع أعضاء مهمتها الاساسية والوحيدة هى كتابة مسودة دستور تعرض على الجمعية التأسيسية لمناقشتها والموافقة عليها. وبالفعل تم الموافقة فى 31 اكتوبر 1978 على الدستور الجديد من قبل الجمعية التأسيسية. وفى 6 ديسمبر من نفس العام تم اعتماد هذاالدستور من قبل الشعب فى استفتاء عام. وكانت الموافقة على الدستور الجديد من قبل الشعب بنسبة 58% وبدأالعمل به فى أول يناير 1979. وقام الدستور الجديد بأنشاء وتأسيس الدولة الاسبانية ذات النظام الملكى والحكم البرلمانى. والملك فيها “يملك ولا يحكم.” وهو رمز للوحدة الاسبانية والقائدالعام للقوات المسلحة.وقد أعتبر الجيش الموالى لفرانكو ما قام به هوان كارلوس هو عملية استلاء على السلطة وخيانة للسياسات التى كانت سائدة خلال حكم فرانكو. مما دفع بمجموعة من قيادات الجيش لمحاولة انقلاب فاشل يوم 21 فبراير 1982. ونتيجة لفشل هذه المحاولة ازدادت شعبية الملك والتفت حوله كل الجماهير بل وكل النخب السياسية بما فيها اليساريين والاشتراكيين. والحقيقة ان التاييد للملك لم يكن تأييدا له فى حد ذاته بل كان تخوفا من عودة الجيش للسلطة. ان الخوف من عودة العسكر للسلطة هو الذى قاد كل النخب فى أسبانيا للوقوف مع الملك ودفع باحد الزعامات الماركسية فى اسبانيا الى التصريح على التلفزيون بالقول: “الله يحفظ الملك … واليوم … كلنا ملكيون” (الويكى بيديا, 2009)

(6) التجربة اليابانية لعله من المناسب هنا ان اذكر القارى بان الارث الدستورى اليابانى كان يشبه الى مدى بعيد الارث الدستورى البريطانى. بمعنى ان اليابان لم يكن لها دستور مكتوب فى وثيقة واحدة خلال تاريخها الطويل. وكانت كل القونين السائدة هى التى تقوم على اساس التقاليد والاعراف والمؤسسات التقليدية. وفى نفس الوقت الذى لا تزال بريطانيا لا تملك دستور مكتوب حتى اليوم, نجد ان اليابان قد قامت بمحاولتين دستوريتين. كانت الاول عام 1889عندما جاء ما عرف فى تاريخ اليابان بحركة الميجى الاصلاحية. وهى الحركة التى قامت باستعادة الامبراطور الميجى, والثانية عام 1947 عندما ثم هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية.

لقد كان السبب الرئيسى لاسترجاع الامبراطور ميجى هو قدوم الاساطيل البحرية الامريكية ودخولها خليج “يادو” اليابانى واجبار الحكومة اليابانية على الانفتاح التجارى مع الولايات المتحدة. لقد قاد هذا العمل العدوانى من قبل الولايات المتحدة الى غضب شعبى عارم ودفع بمجموعة من ضباط الجيش الى الاستلاء على السلطة يوم 3 يناير عام 1889. وكان نتيجة ذلك الحدت هو خروج الجماهير الى الشوارع تطالب بعودت الامبراطور وطرد البرابرة الاعداء. وبالفعل ثم اعادت الامبراطور وكان اول قرار أتخده هو الغاء النظام الاقطاعى فى البلاد واعلان عهد جديد لمواجهة الغرب (أنظر: بامر, 2006, ص 223). ورفع الامبراطور الجديد شعار: “دولة غنية … وجيش قوى.” وكان قيادات حركة الميجى الاصلاحية يعتقدون بان الانظمة الاجتماعية والسياسية اليابانية اسمى واحسن لبلادهم من أى انظمة آخرى (أنظر: روسكن, 2004, ص 346).

ومن هذه القناعة قاموا بكتابة دستور لاول مرة فى تاريخ اليابان الحديت. وكان الغرض الاساسى من كتابة هذاالدستورهو مجارات الدول الغربية فى ذلك العصر واشارة لها بان اليابان دولة منفتحة على العالم. ولقد أمر الامبراطور السيد “أتو هايوبوما” الذى كان على اطلاع على الدساتير الاوربية وخصوصا دستور الامبراطورية الالمانية بكتابة هذه الوثيقة. وقام السيد هايوبوما بتقديم هذا الدستور على انه هدية من الامبراطور لشعبه اليابانى (أنظر: كورتس, 1997, ص 232). وفى هذا الدستور كان للامبراطور حقوق شبه مطلقة وان حقوق المواطنيين هذية من الامبراطور الذى هو فوق الجميع. بمعنى آخر لقد قام هذا الدستور على فكرة ان الدولة لابد ان تكون سلطوية وتملك كل السلطات والنفود فى المجتمع. وان حقوق وواجبات المواطنيين هى مجرد هذايا تهديها الدولة لمواطنيها. والحقيقة انه بالرغم من ان للامبراطور حق الغاء وتعديل الدستور الا انه لم يقم بذلك بل على العكس من ذلك فقد سمح بحرية تعدد الاحزاب وأنشاء نظام انتخابى فى البلاد(أنظر: ماكورمك, 2004, ص 140).وبحق يمكن أعتبار هذا الدستور المؤسس والمكون للدولة اليابانية الحديتة. وقد استمر هذا الدستور دون تغيير جوهرى فيه حتى هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية وثم فرض دستور ثانى على اليابان عام 1947 من قبل الولايات المتحدة الامريكية.

ومن العجيب حقا ان الدستور الذى فرضته امريكا على اليابان كان مناقضا ومضادا لكل اعراف وتقاليد ومؤسسات الدولة اليابانية التى اسسها دستور 1889. فلقد كان اليابانيون يألهون امبراطورهم ويعتبرونه من احفاد اله الشمس, وكانوا يعتبروا عشرته من عشائر اليابان المقدسة. ومن هذا الاعتقاد قرر اليابانون, خلال حركة التجديد الميجى استخدام الشمس كرمز فى علمهم تبركا بهذا الامبراطور. وبالرغم من كل ذلك ما ان وصل الجنرال الامريكى المنتصر دقلس ماكارتى ومساعدوه الى العاصمة اليابانية واستقروا فى احد المبانى المتبقية من الدمار حتى استدعى الجنرال الامبراطور وامره بان يعلن الهزيمة على الراديو. وبالفعل قام الامبراطور وقال قولته المشهورة عند اليابانيين: “لابد من اطاقة … مالا يطاق …الاستسلام.” وكان مفهوم الاستسلام فى الثقافة اليابانية هو نوع من أنواع الاهانة والعار. وبعد ان قام الامبراطور بذلك اعلمه الجنرال بانه سيتركه فى الحكم كامبروطور ولكن ليس “كاله حى.” وسوف تكون وظيفته الجديدة هى اعتباره امبراطور “يملك … ولا يحكم. وبعد ذلك أمر الجنرال أثنين من مساعديه بكتابة دستور جديد لليابان. وفى خلال مدة ست (6) ايام تم كتابة الدستور وفقا للنظام البرلمانى البريطانى. ومن الطريف ان هذا الدستور الجديد لم يشارك فى كتابته احد من اليابانيين بل كتبه لهم عدوهم. وكان سبب تسرع الجنرال فى كتابة هذا الدستور هو تخوفه من قيام اليابانيين بالمطالبة باعادة دستورهم القديم الذى كان سائدا قبل الحرب (روسكن, 2004, ص 352). وقبل اليابانيون هذا الدستور بالرغم من انه كان يتناقض مع كل مباديهم وقيمهم وثقافتهم. ولعل أهم ما تضمنه هذا الدستور (أ) استبدال النظام القائم على أساس الامبراطور بنظام معاكس له ثماما. بمعنى لقد قام هذا الدستور باستبدال مبدأ سيادة الامبراطور بمبدأ سيادة الشعب. (ب) ادانة الحروب ومنع اليابان من تأسيس جيش يحميها والقبول بان تقوم الولايات المتحدة بالنيابة عنها. (ج) منع اليابان من القيام باى سياسات عدائية نحو اى دولة. (د)اجبار لامبراطور على التنازل على وظيفته كاله وكرمز للدولة ووحدة الشعب. و(ه) القبول بالنظام البرلمانى كاسلوب للحكم.

رابعا: علاقة الارث الدستورى بالمشروعية بمعنى بسيط هل لابد ان يكون هناك أرتباط بين الارث الدستورى والمشروعية الدستورية؟ واذا كان هناك ارتباط فما هى أهم مكونات (أوعناصر) الارث الدستورى التى لا يمكن الاستغناء عنها والتى تعتبر جزء لا يتجزى من اى مشروعية دستورية؟ وقد لا نختلف على ايجابة السؤال الاول عندما نجيب بالايجاب. ولكن الاشكالية تبقى فى الاجابة على السؤال الثانى اذ تتوقف الاجابة على ماذا ناخد وماذا نترك وعلى اى أساس. ولكى نستطيع المساهمة فى الاجابة على السؤال الثانى دعونى اقوم باعادة تعريف المصطلحين ومحاولة التوفيق بينهما. وكما ذكرت اعلاه ما أقصده بالارث الدستورى هنا هو كل التجارب الدستورية التى عاشتها دولة ما. وسوى ان كانت هذه التجارب الدستورية مكتوبة ام غير مكتوبة فهى جزء لا يتجزى من الارث الدستورى لهذه الدولة. وبمعنى آخر ان الارث الدستورى يشمل كل ما ترك لنا الاباء والاجداد سوى ان كان موصى به أم مجرد ثراث وثقافة, وسوى ان كان فى هيئة دساتير أوقوانين أوأعراف أوتقاليد ساهمة فى بناء الدولة.

اما ما اقصده هنا بمفهوم “المشروعية الدستورية” هو ان كل القوانيين لابد ان تكون مقبولة من قبل الشعب ولكى تكون مقبولة لابد ان تكون وفقا للدستور. بمعنى ان كل قانون يجب ان يكون موضع احترام من الجميع — من السلطة التى أصدرته ومن الذين لايتفقون مع غرض أوهدف هذا القانون. وهذا ببساطة يعنى ان المشروعية الدستورية قد تكون نتاج مجموعة من العمليات الاجرائية التى تجعل الاوامر القانونية مقبولة حتى وان كانت غير عادلة اويعتقد البعض بانها غير مفيدة. بمعنى اخر ان وجود القانون ليس بالضرورة وجود العدل فعلى سبيل المثال هناك العديد من القوانين فى أمريكا اليوم يعتقد الكثير من الامريكيون أنها غيرعادلة ولكنهم يحترموها ويلتزموا بها (للمزيد راجع: بالروين, يناير 2008).

وبالتأمل فى هذين التعريفين يمكننا ان نستنتج أولا: ان الارث الدستورى يشمل كل شىء حدت فى الماضى وله علاقة بتكوين الدولة القانونى. فهو يشمل القديم والجديد, الصالح والطاح, الكامل والناقص, المؤقت والدائم, والمتعلق بالافكار والمتعلق بالاشياء. ثانيا: ان أسس االمشروعية هو الاختيار والقبول. و ان الغاية الاساسية من الدستورية هو خالق نظام حكم عادل … ومستقر … ومستمر. وثالثا: لعل أهم مكونات الارث الدستورى هو الدستور نفسه سوى ان كان مكتوبا او غير ذلك. ولعله من الجميل انه ما ان ثم قبول هذا المصطلح فى الفكر السياسى المعاصر حتى ثم الاتفاق على مجموعة من القضايا الدستورية والتى لعل من أهمها: (أ) ان وظيفة الدستور الاساسية هى تعريف … وتنظيم … وتوزيع …وتحديد السلطات فى الدولة. و(ب) ان من أهم ركائز الدستور: (1) حكم القانون. أى لا أحد يجب ان يكون فوق القانون مهم كانت مكانته اوأصله. (2) حق الشعب فى اختيار من يحكمه وكيف يحكمه. (3) مبدا الفصل بين السلطات. (4) حق المراقبة والتوازن بين السلطات.أى ان الدستور هوالآلية التى بواسطتها يتم التوزان بين السلطة والحقوق. وهنا لابد من الاشارة الى ان التوازنات السياسية الموجودة اليوم لم تكن موجودة قبل القرن الثامن عشر ولم يثم تطبيقهاالا مندالقرن التاسع عشر (ماكوين, 1961, ص 143). (5) دولة التداول السلمى على السلطة. (6) حق الثمتيل. و(7) حق تعديل أوالغاء الدستور بالطرق السلمية.
وكل من ينظر فى كيف تعاملت الشعوب الآخرى مع هذا العلاقة بين الارث الدستورى والمشروعية الدستوريةيجد (كما ذكرت أعلاه) ان تجربة الولايات المتحدة انتقلت خلال ال 220 سنه الماضية من ثلاثة عشر مستعمرةالى ثلاثة عشر دولة (أوولاية) مستقلة (1776 – 1781) بعضها لها دساتير مكتوبة وبعضهاالاخر لها دساتير غير مكتوبة. ثم الى دولة كونفدرالية (1781 – 1790) السيادة العليا فيها للولايات وليس للحكومة الكونفدرالية. ثم الى دولة فدرالية ذات حكومة مركزية ومشاركه شعبية مشروط (1790 – 1964) والسيادة العليا فيها للحكومة الفدرالية. ثم آخيرا الى نظام فدرالي ذات حكومة مركزية قوية ومشاركة شعبية لكل مواطن أمريكى بدون قيد ولا شرط الا الجنسية والسن (1964 – الان)
ولعل ما يمكن استخلاصه من التجربة الالمانية وباختصار شديد هو ان المحاولات الدستورية الثلاث فى تاريخ ألمانيا المعاصر كانت مختلفة على بعضها البعض فى الاسباب والاغراض والركائز. فالدستور الذى ثم وضعه فى مدينة وايمر عام 1919 كان مناقضا للدستور الذى وضعه بسمارك فى بداية تأسيس وتكوينه للامبرطورية الثانية عام 1871. والقانون الاساسى الذى ساهمت فى وضعه القوى المعادية لألمانيا عام 1949 كان ايضا مناقضا للدستورين السابقين له فى الوظيفة والاغراض والهيكلية.
وفى التجربة الفرنسة ومند ولادة فكرة المشروعية الدستورية الحديتة بكتابة أول دستور فى تاريخ فرنسا عام 1791 نجد انه قد ثم التعبير على هذا المفهوم بأساليب عديدة وأليات مختلفه. فقد ثم اصدار أكثر من ستة عشر (16) دستور خلال ال 218 سنه الآخيرة. بمعنى آخر ان كل متأمل فى التجربة الدستورية الفرنسية يجد ان الارث الدستورى الفرنسى لم يكن مستمرا ولا مستقرا وكان خلال فترات عديدة متناقض. ولعل من الطريف هنا ان ادكر ان نظام الجمهورية الثالثة قد استمرت اكثر من أى نظام حكم فى تاريخ فرنسا المعاصر (أى حوالى 70 سنة) بالرغم من انها لم تقم على أساس دستور مكتوب وموصنف. وان فى عصرها أنتشارت ظاهرة الصراع بين اليمين واليسار الى درجة يمكن تشبيهها بما يدور اليوم فى لبنان بمعنى “دولة لا غالب ولا مغلوب.”
وكل متأمل فى التجربة الايطالية يجد ان ايطاليا لم تكن دولة متحدة الا مند 1860. وبالرغم من ذلك نجد ان مكونات المشروعية الدستورية فيها قد تغير على الاقل ثلاث مرات (اذا تجاهلنا الفترة الفاشية): من نظام حكم ملكى مطلق الى نظام حكم ملكى دستورى ثم الى نظام حكم جمهورى برلمانى. بمعنى ان الدستور المنشىء والمؤسس للدولة الايطالة الحديتة قد ثم استبدالة ثلاث مرات خلال المئة والخمسين الماضية.
أماالتجربةاليابانية فيمكن وصفها بانها مرت خلال ثلاث مراحل رئيسية:الاولى كانت قبل الامبراطور ميجى عام 1889. اذ لم يكن لليابان دستور مكتوب فى وثيقة واحدة خلال تاريخها الطويل. وكانت كل القونين السائدة هى التى تقوم على اساس التقاليد والاعراف والمؤسسات التقليدية. اما المرحلة الدستورية الثانية فكانت من 1889 الى 1947. ففى هذه الفترة ساد ما عرف بدستور ميجى الذى أسس الدولة اليابانية والذى وبحق يمكن أعتبار هذا الدستور المؤسس والمكون للدولة اليابانية الحديتة. وقد قامت هذه الدوله على أساس النظام الامبراطورى الذى سمح بانشاء برلمان وتعدد الاحزاب وقيام نظام انتخابى محدود.وقد حافظة اليابان على هذا الدستور بالرغم من محاولة الكثير من القوى السياسية والجيش تأويله تأولات مختلف عبر هذا التاريخ. وقد استمر هذا الدستور دون تغيير جوهرى فيه حتى هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية وثم فرض دستور ثانى على اليابان عام 1947 من قبل الولايات المتحدة الامريكية. وبالرغم من ان الدستور الذى فرضته امريكا على اليابان كان مناقضا ومضادا لكل اعراف وتقاليد ومؤسسات الدولة اليابانية التى اسسها دستور 1889 الا ان اليابانيون بناء دولتهم المتقدمة وتمسكوا بكل ما اعتقدوه خيرا لهم.

أما ما يمكن قوله على التجربة الاسبانية فان الشعب الاسبانى قد إختار النظام الجمهورى عام 1931 كبديل عن الملكية. وعندما طالبت الجماهير عام 1931 بتازل الملك وقيام النظام الجمهورى إستجاب الملك الفونسو الثالث عشر لذلك وقامت الجمهورية بالفعل. ولكن القوى الملكية والرجعية لم ترضى بهذا الخيار وقادت البلاد الى حرب أهلية إستمرت ما يقارب تسع سنوات (1931 – 1939). وكانت النتيجة قدوم العسكر بقيادة الجنرال فرانكو الذى حكم اسبانيا بالحديد والنار لمدة 36 سنة ومهد لرجوع الملكية بتنصيب هوان ماركوس وليا لعهده عام 1969. وعندما مات الدكتاتور فرانكو فى 22 نوفمبر 1975, استلم ولى عهده الامير هوان كارلوس الامور ونصب نفسه ملك على البلاد.

خامسا: الخاتمة: الدروس والعبر من كل ما تقدم يمكن للمرء ان يستخلص الكثير من الدروس والعبر لعل من أهمها: (1) من تجارب الشعوب المتحضرة والمتقدمة يمكن استخلاص انه من حيت المبدا لا قداسة للدساتير ومن حق الشعوب تتغييرها اذا أجمعت على ذلك. (2) من تجارب الآخرين نستخلص ان من أهم أسس المشروعية الدستورية وهى: حق المواطنيين فى اختيار ما يعتقدواانه أنفع لهم, وقبولهم بما اختاروا. (3) ان تجارب الآخرين تعلمنا ان الدساتير بطبيعتها هى وثائق غير كاملة. وانها جزء لايتجزى من البيئة التى نمت فيها والزمان الذى وجدت فيه. وان تاريخ وثقافة الشعب يؤتران ويتأتران بالدستور. وعليه فان الدساتير لكى تنجح وتستمر لابد ان تتوافق مع اعراف وتقاليد وثقافات الشعوب وان تكون استجابة حقيقية لرغباتهم. بمعنى آخر لابد ان يكون الدستور دائما هوالعهد والميثاق ما بين الاحياء وليس مجرد وثيقة كتبها الاموات ليتشبت بها العاجزون عن العطاء. وان يكون الدستور الآلية التى تمكن كل جيل على ان يحكم نفسه بنفسه. (4) من هذه التجارب يمكن إستخلاص ان العملية الدستورية هى عملية ديناميكية (أى حركية) وان الاعتمادعلى (أواللجؤ الى) الماضى هو من أجل الاستفادة من والاتعاض بالدروس وليس مجرد الاعجاب به أو كنتيجة لعجزنا على مواجهة تحديات المستقبلية. أو كما قال الرئيس الامريكى تاموس جفرسون فى وصفه للنظام الديمقراطى بان” الدولة الديمقراطية الحقيقية هى التى تعطى مواطنيها حق وواجب تشكيل (أو اعادة تشكيل) نفسها باستمرار مستفيدة من تجارب الماضى, ومتعاملة مع تحديات المستقبل الجديدة والمتغيرة” (كارشافل, 1944, ص 673 – 676). (5)الايمان بان من انجح الدساتير هى التى تقوم على أسس قوية ومنطلقة من الواقع الاجتماعى والثقافى والسياسى المعاش. و(6) من تجارب الآخرين يمكن ان نستنتج ايضا ضرورة الفصل ما بين مفهوم المشروعية الدستورية ومؤسساتها. فالمشروعية الدستورية ليست بالضرورة مرتبطة بالمؤسسات التى تقيم الدولة. وذلك لان المؤسسات ما هى الا مجرد أدوات أوآليات هدفها الاساسى تطبيق اسس ومبادى الدستورية. فلو كان التمسك بالمؤسسات شرط من شروط المشروعية الدستورية لاستمرت مؤسسة العبودية على سبيل المثال فى الولايات المتحدة الامريكة الى اليوم.
وفى الختام لعل ما يمكن قوله فى هذا الشأن هو ان هذه الدساتير فى النهاية ما هى الا مجموعة وثائق قيمتها يحددهاالذين وضعوها.وفى اعتقادى وبناءا على التجارب التى ذكرتها أعلاه بان المشكلة الاساسية التى تواجه شعوبنا العربية والاسلامية اليوم لا تكمن فى وجود الوثائق المكتوبة (أوالدساتير) فى حدّ ذاتها وانما فى عقلية الانسان وارادتة. وفى هذا السياق لعله من المناسب ان أختم هذا المقال بتذكير كل من اخوتى واخواتى الذين يحاولون قياس تجربة الدستور الليبيى الذى كتبه الاباء والاجداد واسسوا به الدولة الليبية عام 1951 على تجربة الدستور الامريكى بان يعوا أن الوثيقة التى أسست وأنشئت الولايات المتحدة الامريكية عام 1781 قد ثم الغاءها واستبدالها بوثيقة جديدة ومناقضة لها تماما خلال عشر (10) سنوات فقط من اعتمادها. وان المؤسيسين للدولة الامريكية عندما وضعوا دستورهم الثانى عام 1790 أصروا على ان هذا الدستور هو مجرد أذاة الحدّ الادنى ولا تستحق التبجيل ولا التنزية ولا التظاهر بالتفوق ولا المناعة من التعديل من الاجيال القادمة (أنظر: ماكيين وهاوسمن, 1989, ص 2).

أدعو الله عز وجل ان أكون قد وفقت فى المساهمة …
فى بناء وطن عادل … حر …يكرم فيه الانسان كإنسان … وان لم اكن كذلك فانا على يقين بان الله غفورا رحيم.

ومرة آخرى يا أحباب … هذا مجرد راى أعتقد إنه الصواب ..
فمن أتى براى يختلف عنه إحترمناه … ومن أتى براى أحسن منه قبلناه …

والله المستعان.
______________________________________________________________
المراجع:
Roy Macridis (1972) “Modern Political Systems Europe.” 4/e New Jersey: Prentice-Hall, Inc.
Monte Palmer (2001), “Comparative Politics: Political Economy, Political Culture, and Political Interdependence.” 2/e Illinios: F.E. Publishers, Inc.
Mark Kesselman el at (2009) “Introduction to Comparative Politics.” Brief Edition, . New York: Houghton Mifflin Harcourt Publishing Company.
ًWikipedia: (English) Sinikka Tarvainen, Spanish royals worried about protests against monarchy, EUX.TV., 2007-09-28. Accessed online 29 December 2007.
Michael G. Roskin (2004) “Countries and Concepts: Politics, Geography, Culture.” New Jersey: Pearson Prentice-Hall
S. F. Finer (1977), “Comparative Government: An Introduction to the Study of Politics.” 7/e, New York: Penguin Books.
Michael W. McCann and Gerald L. Houseman (ed.) (1989) “Judging the Constitution: Critical Essays on Judicial Lawmaking.” Boston: Scott, Foresman & Company.
John McCormick (2001), “Comparative Politics in Transition.” 3/e. New York: Harcourt College Publishers.
John McCormick (2004), “Comparative Politics in Transition.” 4/e. New York: Thomson- Wadsworth.
Lawrence C. Mayer, at el, (1996) “Comparative Politics: Nations and Theories in a Changing World.” 2/e.New Jersey: Prentice – Hall
Frank L. Wilson (1999) “European Politics Today: The Democratic Experience.” 3/e. New Jersey: Prentice – Hall
E. Gene Frankland (2009) “Europe.” 10/e, New York: McGraw – Hill, Higher Education Jefferson’s Letter to Samuel Kercheval, in Adriene Kock and William Peden, eds. (1944) “The Life and selected Writings of Thomas Jefferson.” New York: Modern Library, pp. 673 –676.
Monte Palmer (2006) “Comparative Politics:Political Economy, Political Culture, and Political Interdependence.” 3/e. United States: Thomson – Wadsworth.
Charles Howard Mcllwain (1961), “Constitutionalism:Ancient & Modern.” New York: Great Seal Books
Edward Sidlow and Beth Henschen (2000), “America at Odds.” 2/e, United States: Wadsworth, An International Thomson Publishing Company.
Barbara Bardes, Mack C. Shelley, and Steffen W. Schmidt (2000) 12/e. United States: Wadsworth, An International Thomson Publishing Company.
M. Donald Hancock at el (1998) “Politics in Western Europe.” 2/e. New Jersey: Chatham House Publishers, Inc.
Michael Curtis (ed.) (1997), “Introduction to Comparative Politics.” 4/e, New York: Longman.
محمد بالروين (4 يناير 2008) “من المشروعية الدستورية.” Libya: News and Views. http://www.tamiu.edu/~mbenruwin/Berween_Legitimacy_news_Jan08.htm
NettyRoyal: The Kingdom og Span (2009): http://www.nettyroyal.nl/spain.html


من المشروعـية الدستورية

5 يونيو 2011

Friday, 4 January, 2008
ان تحقيق مبدأ المشروعية الدستورية فى اى مجتمع هى من اكبر التحديات التى تواجهه وخصوصا فى المجتمع المنقسم على نفسه الى شيع وطوائف ومناطق وذلك لانه من جهة يفتقد الى مبدا الاجماع بين ابناء الشعب. ومن جهة اخرى محاولة بعض القوى السياسية فى ذاخل المجتمع وخارجه استغلال القضايا الخلافية التى تقود الى الفرقة اكثر من الاتحاد. وعليه فانه من الضرورى على كل شعب يريد ان يكتب دستور جديد (أو يريد اعادة صياغة دستوره القديم) ان يحاول فهم ووعى هذه المبدأ الشائك وذلك لانه شرط أساسى وجوهرى لبناء أى دوله عصرية متقدمة وعادلة. ولعل من أهم الاسئلة التى أرى ضرورة الاجابة عليها الاتى:
(1) ماذا نعنى بمفهوم المشروعية الدستورية؟
(2) ما هى أهم أنواع المشروعية الدستورية؟
(3) ما هى أهم شروط المشروعية الدستورية؟

“أولا : ” ماذا نعنى بمفهوم المشروعية الدستورية؟
الدستور هو القانون الاساسى الذى يؤسس شكل الدولة, ويبين نوع وأختصاصات سلطاتها, ويوزع السلطات بين مؤسساتها ويحدد سلطاتها, وحقوق وواجبات المواطنيها. وفى الحقيقة ان تعريف مفهوم المشروعية الدستورية يتوقف على مجموعة من العوامل لعل من أهمها المباذى التى أسست عليها الدولة, والاهذاف التى يسعى لتحقيقهاالدستور, والبيئة التى خرجت منها هذة الوثيقة الدستورية.

وبمعنى أخر يمكننا القول بأن المشروعية الدستورية تتحقق عندما يحترم ويطيع كل أبناء الشعب هذة الوثيقة التى تقوم عليها الدولة, وعندما يتم أختيارالحاكم بالطرق المقبولة من الشعب, وعندما يكون الغرض الاساسى من هذة الوثيقة هو حماية حقوق الشعب وتقييد سلطات الحاكم.

“ثانيأ:” ما هى أهم أنواع المشروعية الدستورية؟
قد ثم استخدام هذا المفهوم لأغراض مختلفة وبمعانى عديدة. بعض هذة المفاهيم “مغلوط” مثل مفهوم مشروعية “الغالب” أو كما يحلو للبعض ان يسميها بالمشروعية “الثورية.” وهذا المفهوم مغلوط لأسباب عديدة لعل من أهمها ان الثورة الحقيقية ليست مجرد ادعاء كما هو الحال اليوم فى أغلب الدول وخصوصا العربية وانما هى مطلب وعمل جماهيرى وارادة شعبية. فمن المسلمات التى لا خلاف عليها انه لا ثورة بدون جماهير ولا حكم حقيقى للجماهير بدون دستور. بمعنى اخر ان الدولة التى لا يوجد بها دستور لا توجد بها ثورة. وعليه فالادعاء بان ما عرف بمفهوم “الثورة فوق كل شىء” هو مجرد ادعاء لا أساس له من الصحة. ولقد اعترف بخطاء هذا المفهوم كل العقلاء حتى الذين كانوا مؤمنين به. فعلى سبيل المثال يقول الاستاد أصلان عبد الكريم أحد الشيوعيين السوريين: “أنا شيوعى وسابقى حتى اشعار اخر. ومع ذلك أقول ان لينين قال:
ان الثورة فوق القانون وتلك هى المشكلة. لا أحد فوق القانون على الاطلاق لا الثورة ولا أى شىء اخر ممكن ان يوازى هذة المسألة.”(عبد الكريم, 2002)

وعيله يمكن القول بأن ولاية الغالب ليست أصلا من المشورعية الدستورية مهما كان هذا المتغلب وذلك لانها خروج على شرط التراضى. ولذلك أجاز فقهائنا الافاضل التخلص منها كلما كان ممكنا “… واذا جازت فانما تجوز كما يجوز أكل الميتة ولحم الخنزير اّذا ألحت الضرورة فى ذلك….”(جريشه, 1986).

وبعض هذة المفاهيم “ناقص” مثل مفهوم “المشروعية الدولية” فهى مشروعية ناقصة لأنها ترتكزعلى جانب واحد فقط الا وهو “الاعتراف الدولى بنظام الحكم فى دولة معينة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.”

والنقص فى هذا النوع من المشروعية يكمن فى تجاهل الشروط والابعاد الاخرى للمشروعية الدستورية والتى لابد من توافرها لكى تتحقق المشروعية الدستورية الحقيقية. أن المشكلة الاساسية فى المشروعية الدولية هو محاولتها الفصل بين السياسات الخارجية (الدولية) والسياسات الداخلية (المحلية).

وبعض هذة المفاهيم يمكن أن نسميها مفاهيم “ميتة” مثل ما يعرف بمفهوم “المشورعية التاريخية” كما هو الحال اليوم فى الجزائر اذ يدعى أعضاء جبهة التحرير الجزائرى حقهم التاريخي فى حكم البلاد وذلك كاستحقاق لجهادهم ضذ الاستعمار الفرنسى..

والبعض الآخر من هذة المفاهيم هى المفاهيم “السليمة” مثل مفهوم “المشروعية الدستورية.” وهى تعنى هنا ببساطة ان كل القوانيين لابد ان تكون مقبولة من قبل الشعب ولكى تكون مقبولة لابد ان تكون وفقا للدستور. بمعنى ان كل قانون يجب ان يكون موضع احترام من الجميع — من السلطة التى أصدرته وحتى من الذين لايتفقون مع غرض أوهدف هذا القانون. وهذا ببساطة يعنى ايضا ان المشروعية الدستورية قد تكون نتاج مجموعة من العمليات الاجرائية التى تجعل الاوامر القانونية مقبولة حتى وان كانت غير عادلة او يعتقد البعض بانها غير مفيدة. بمعنى اخر ان وجود القانون ليس بالضرورة وجود العدل فعلى سبيل المثال هناك العديد من القوانين فى أمريكا اليوم يعتقد الكثير من الامريكيون أنها غيرعادلة ولكنهم يحترموها.

“ثالتأ:” ما هى أهم شروط المشروعية الدستورية؟
قد يسأل البعض عن ما هى شروط ومكونات المشروعية الدستورية وكيف يمكن ان نميز بينها وبين المشروعيات الآخرى؟ أو بمعنى اخر ماذا يجب ان تتكون منه المشروعية الدستورية؟ وفى هذا الصدد لابد من التاكيد على خمس شروط أو مكونات للمشروعية الدستورية والتى أرى ضرورة توفرها فى كل دستور لكى يكون مشروعا:

(1) القبول:
ان الشرط الاول من شروط ومكونات المشروعية الدستورية هوشرط القبول. بمعنى ان المشروعية لا يمكن ان تكون افتراضية او مفروضة. وهى قبول وأحترام (وليس بالضرورة رضى) المواطنين بالسلطة والقانون. ان الدستور كغيره من العقود الاجتماعية يشترط موافقة كل المتعاقدين عليه لكى يكون مقبولا. والاصل فى الاسلام أر تصح ولاية المسلمين بغير القبول. وكل من يدرس سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم يجد انه حرص على هذا المبدا وقبل أن يلى أمور الدولة فى المدينة كانت هناك بيعة العقية الاولى وبيعة العقبة الثانية. وفى هذا الصدد يعلق الامام ابن تيميه على خلافة سيدنا أبو بكر قائلا:
“… والصديق صار إماما بمبايعة أهل القدرة … ولو قُدّر أن أبا بكر بايعه عمر وطائفه وأمتنع سائر الصحابة من بيعته لم يصر إماما لذلك. وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الناس. ولهذا لم يضر تخلف سعد (يقصد سعد بن عبادة) لانه لم يقدح فى مقصود الولاية.”(وافى, ص100). ويؤكذ الامام أبو حامد الغزالى نفس المبدا عندما يقول تعليقا على نفس الحادتة: “… لو لم يبايع أبا بكر غير عمر, وبقى كافة الخلق مخالفين لما إنعقدت الامامة. فإن المقصود الذى طلبت له الامامة هو جمع شتات الآراء. ولا تقوم الشركة الا بموافقة الأكثرية.” (العربى, 1978). والحقيقة ان هذا الشرط هو من أهم الشروط والاكثر شيوعا لفكرة المشروعية الدستورية. وهذة الشرط ينبثق من الحقيقة التى يبدا بها كل دستور والتى تقول: “نحن أبتاء الشعب نوافق ونعتمد هذا الدستور ….” وهذا يعرف فى القانون الدستورى: “بمبذا موافقة المحكومين.”
وقد رفض بعض علماء القانون الدستورى مثل البروفسور راندى بارنت (استاد القانون الدستورى بجامعة بوستن بالولايات المتحدة الامريكية) هذا النظرية وذلك لانها كما يقول نظرية تقوم على أسس مثالية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع (بارلت, 2001). والحقيقة التى لا جدال فيها ان أى نظام سياسى يريد التقدم لابد من أن يكتسب القبول والمصداقية من كل أبناء الشعب. ولكى يتحقق ذلك لابد من تحقيق الاجماع حول الثوابت الوطنية وعلى وجه التحديد حول ما يعرف بالوثيقة الدستورية كثابت أساسى من هذة الثوابت.

(2) القانونية:
أما الشرط الثانى من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط “القانونية.” وهى تعنى التقيد بحرفية القوانين. والقوانين تعنى ببساطه مجموعة القواعد التى تنظم الروبط الاجتماعية والتى يجوز للدولة أن تحمل الناس قسرا على إتباعها وأن تنزل العقاب على مخالفيها (رضوان, ص3). والقانونية ليست بالضرورة تعنى المشروعية.
فالمشروعية الدستورية تعنى ضرورة ان تكون القواعد القانونية التى تسنها الحكومى متفقة مع أحكام الدستور وغير مخالفة له. وهى عبارة عن الرضا بالقرارات الحكومية فى الدولة مما يجعل أعمال وتصرفات الحكومة محترمة ومقبولة. وهذا التفريق بين هذين المبدأين قد يعنى من جهة ان الاعمال والقرارات التى يتخدها حاكم اونظام حكم فى دولة ما قد تكون قانونية دون ان تكون مشروعة. فعلى سبيل المثال الكثير من القرارات والقوانين التى أصدرها نظام الحكم فى ليبيا يمكن ان يطلق عليها صفة القانونية ولكن الاشكالية انها فوقية وتسلطية وتفتقد للمشروعية. ومن جهة أخرى هناك العديد من التصرفات التى يمكن أعتبارها مشروعة من قبل الجماهير ولكن قد لا تكون قانونية وفقا لقوانين الحكم فى ليبيا. فعلى سبيل المثال ان حق الشعب فى المعارضة السلمية هو عمل مشروع, وحقه فى التعبيرعن نفسه هو حق مشروع, وحقه فى قبول الراى الاخر أورفضه هو ايضا حق مشروع. كل هذة الاعمال وغيرها يمكن أعتبارها حقوق مشروعة فى نظر أغلب الجماهير حتى ولو جرمتها قوانين حكم القدافى. والحقيقة المحزنة هو غياب هذا الشرط الهام للمشروعية فى ليبيا بل وقد نقول فى كل الدول العربية اليوم. لقد أصبح الغرض الاساسى من القانون فى هذة الدول هو حماية الحكام بينما تجد الحكام قى الدول المتحضرة فى خدمة القانون.

(3) الهرمية
أما الشرط الثالت من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط “الهرمية.” وهذا يعنى ببساطة انه لكى تتحقق المشروعية الدستورية لابد من ضرورة وجود التسلسل الهرمى للمشروعية. بمعنى لكى يكون نظام الحكم مقبولا ومحترما من قبل الحكام والمحكومين فى الوطن لابد ان تكون كل اعمال وسلوكيات الحكام والمحكومين فى هذاالوطن مقبولة ووفقا للآطر المتفق عليها مسبقا. وهذا باختصار يعنى اشتراط أولا ان تكون أعمال وسلوكيات الحكام والمحكومين قانونية, وثانيا ان تكون كل القوانين والاجراءات دستورية, وثالتا ان يكون الدستور مقبولا ومحترما من قبل كل أبناء الشعب. ولعل الرسم البيانى (1) يوضح ما أقصده بالتسلسل الهرمى للمشروعية.

(4) الحريات العامة:
أما الشرط الرابع من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو السماح لكل المواطنبن بممارسة حرياتهم فى حدود الدستور. والحقيقة ان كل العقلاء فى أى مجتمع يتفقون بأن الحماية والحفاظ على حريات المواطنين هى جوهر وأساس المشروعية الدستورية. وان نقطة البداية فى العملية الدستورية هى التاكيد على مبدا حق الانسان فى الاختيار. وذلك لان هذا الحق هو الركيزة الاساسية التى يجب الانطلاق منها. بمعنى قبل مناقشة الدستور يجب ان يتحقق لكل المواطنين حقهم فى أختيار نوع وافكار وهيكلية الدستور. وذلك لان حق الاختيار هو الحق الطبيعى والاساسى الذى لابد من توافره لتحقيق المشروعية فى أى دوله تريد أن تكون دستورية. فلا مواطتة بدون دستور ولا دستور حقيقى بدون اعطاء حق الاختيار لكل أبناء الشعب فى أختيار نوع الحكم الذين يريدون..

(5) استقلالية القضاء:
أما الشرط الخامس والاخير من شروط ومكونات المشروعية الدستورية فهو شرط استقلالية القضاء. بمعنى وبأختصار شديد يمكن القول بأنه لا يمكن الحديت عن المشروعية الدستورية وعن مبذأ سيادة القانون وعن دولة المؤسسات وعن تحقيق الحريات العامة الا يوجود نظام حكم به قضاء مستقل ويؤمن بمبدا الفصل بين السلطات. وبمعنى أخر لكى تتحقق المشروعية الدستورية فى أى دوله لابد ان يطبق الدستور وأن تكتسب كل التصرفات والاقوال والافعال الصبغة القانونية. وبمعنى أخر ان أى تصرف أو ممارسة نخالف ما نص عليه الدستور يجب ان يحكم عليها بالبطلان وتفتقد مشروعيتها.

“رابعا:” خاتمة: دعوة وتحدّى
فى ختام هذا المقال القصير حول المشروعية الدستورية لا أملك الا أن أدعو كل مؤطن ليبى شريف وكل مواطنة ليبية شريفة الى الأهتمام ومحاولة فهم مبدأ المشروعية الدستورية والسعى الجاد من أجل تحقيق شروطه ومكوناته فى أى دستور جديد لدولتنا الدستورية الثانية. أن التحدى الاساسى الذى سيواجه مؤسيسوا دولتنا الدستورية الثانية فى وطننا الحبيب ليبيا هو تحقيق هذه الشروط الضرورية الخمسة التى ذكرتها أعلاه ألا وهى: القبول, والقانونية, والهرمية, والحريات العامة, واستقلالية القضاء. ان فقدان أى دستور لأى شرط من هذة الشروط الخمس سوف يفقده مشروعيتة ويكون دستورا ناقصا ومجرد أداة يمكن للحاكم استغلالها وتسخيرها لخدمة أغراضه الخاصة.
فهل بالامكان أن نسعى جميعا من أجل: كتابة دستور تتوفر فيه كل هذة الشروط الخمس ويشارك فيه كل أبناء الشعب؟ والاجابة باختصار: نعم بالامكان …
فهيا بنا نسير جميعا الى الامام من أجل تحقيق هذا الهدف السامى …

والله المستعان.

د. محمد بالروين
berween@hotmail.com
________________________

الهوامش:
-المشروعية الدستورية: مداخلة الاستاد أصلان عبد الكريم. منتـدى جمـال الأتاسـي. للحوار الديمقراطي. المحاضرة الخامسة. 2 فبراير 2002.

http://www.geocities.com/montadaatasi/n-manj.htm

- المستشار الدكتور على جريشة “المشروعية الاسلامية العليا.” (1986) دار الوفاء, ص217
- Barnitt, Randy E. (2001) “Constitutional Legitimacy.” Georgetown University Law Center.

http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=291145

- فتحى رضوان (1966) “الدولة والدساتير.” دار النهضة العربية.
- د. على عبد الواحد وافى (1968) ” الحرية فى الاسلام.: سلسلة (أقر – 304). دار المعارف بمصر
- د. محمد العربى (1978) “النظم الاسلامية.” الجزء الثانى.


من الفقـه الدستــــــــوري

5 يونيو 2011

ما أقصده بالفقه الدستوري هو المحاولات العلمية للتمعن والتدبر في مفاهيم ومصطلحات وقيم الدستور من أجل المساهمه في تأسيس نظام الحكم في الدولة، وسدّ النقص، وإدراك العيب فيه. فالدستور هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الدولة. وهوالعمود الفقري لنظام الحكم في الوطن. وهوالوثيقة التي تبين وتحدد العلاقات بين الحاكم والمحكوم. وعند الحديت عن الدستور. لعل من أهم الأسئلة التي يجب على كل المثقفين والسياسيين والنخب الوطنية الإجابة عليها هي الآتي:

1. ما هي ظروف وضع الدستور؟
2. ما هي أهم أنواع الدساتير؟
3. ما هي أهم طرق (أو أساليب) وضع الدستور؟
4. ما هي أهم القضايا التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها؟

أولا: ظروف وضع الدستور؟
بمعنى ما هو سبب (أو أسباب) وضع الدستور في دولة ما؟ لا شك أن أي دستور – سواء في قيمه، أو قواعده، أو طريقة وضعه، هو في الأصل نتاج للظروف العملية والموضوعية التي تحيط به. بمعنى أن دستور الدولة – أي دولة – في العادة هو انعكاس لفلسفتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وفي العادة فإن قضية وضع الدستور يحددها مجموعة من الظروف لعل من أهمها:
1.. حدوث إنقلاب أوثورة في الدولة مما يؤذي إلى الإطاحة بالدستور القديم.
2. نشأة دولة جديدة، أو تحصلها على استقلالها بعد أن كانت غير مستقلة.
3. هزيمة دولة في حرب، وخضوعها لإرادة الدولة (أو الدول) المنتصرة، كما حدت
على سبيل المثال لليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والعراق بعد هزيمتها فيما عرف بحرب الخليج الثانية عام 2003

ثانيا: أنواع الدساتير

1. مكتوب .. و .. غيرمكتوب
والسؤال هنا هو: هل لا بد أن يكون الدستور مكتوبا؟ والإجابة بالطبع لا. ولكن يستحب أن تكون دساتير اليوم مكتوبة، وذلك لأنه في العادة، الدساتير الغير مكتوبة تكون أكثر مرونة، وأقل استقرارا. وأيضا لأن الدساتير غير المكتوبة هي دساتيرعرفية (بمعنى أنه يغلب على قواعدها أن يكون العرف مصدرها). والدساتير العرفية لا توضع وضعا، ولا تدون في وثيقة واحدة، وفي العادة تكون نتاج لمرحلة تاريخية طويلة. ولعل من أهم وأشهر الدساتير الغير مكتوبة هو الدستور البريطاني؛ لأن غالبية قواعدة غير مدونة في وثيقة دستورية واحدة. وحتى قواعده الدستورية المدونة صدرت في شكل قوانين عادية عن طريق البرلمان، فهي قوانين دستورية من حيث مضمونها، ولكنها قوانين عادية من حيث شكلها.

2. شكلي .. و .. موضوعي
المعنى الشكلي للدستور ينصرف إلى الوثيقة الدستورية داتها ولايعدوها. فمفهوم الدستور وفقا لهذا المعنى هو أنه عبارة عن القواعد والمواد القانونية الواردة في الوثيقة التي تحوي النصوص الدستورية. بمعنى أن كل مبدأ أو قاعدة لا تتضمنها هذه الوثيقة لا يمكن اعتبارها قاعدة دستورية. أما المعنى الموضوعي للدستور فهو الذي ينظر إلى موضوع القاعدة لا إلى شكلها. ووفقا للمعنى الموضوعي فإن موضوع القاعدة هو الذي يحدد طبيعتها، وليس شكلها هو الذي يحدد ما إذا كانت القاعدة من طبيعه دستورية أم لا. والمشكلة الأساسية هنا هي أن أصحاب هذا الفهم للدستور لا يتفقون تمام الاتفاق على ماهية الموضوعات الدستورية، وإلى أي مدى يمكن تفسير القواعد القانونية.

3. مرن .. و .. غيرمرن
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدساتير الجامدة ليس بالضروري أن تكون مناقضة للتقدم والتطور، وإنما تعني مجرد صعوبة إدخال تعديلات عليها. أما الدساتير المرنة فهي التي يمكن تعديلها بسهولة. وفي العادة يتم تعديل نصوصها بذات الطريقة التي تعدل بها القوانين العادية، وبذات الأغلبية اللازمة لتعديل تلك القوانين.

ثالثاً : طرق (أو أساليب) وضع الدستور

1.المنحة
تتم هذة العملية في العادة في الأنظمة الشمولية، أو في حالة سيطرة دولة على أخرى، كما حدث عندما سيطرت أمريكا على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. ففي الأنظمة الشمولية – على سبيل المثال – يقوم الدكتاتور أوالملك بتنظيم سلطاته ليضفي على حكمه الصبغة الدستورية، والسلطات التي تصدرعلى هذا النحو يحرص “مانحوها” على أن يحتفظوا لأنفسهم بأغلب السلطات، وأن ينقلوا بعضها الآخر (وخصوصا الغير مهم أو السلبي) إلى ممثلي الشعب. والأمثلة على هذا النوع كثيرة. وما يقوم به الملوك العرب اليوم (وما يصرح به سيف القداافى للإعلام هذه الأيام) من محاولة إعطاء هامشا ديمقراطيا إلا نموذجا على ذلك. ولعل خير مثال على هذا الإجراء هو ما قامت به أمريكا عند سيطرتها على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. إذ قام الجنرال دقلس ماكرتي القائد العام لقوات الحلفاء في المحيط الهادي خلال الحرب العالمة الثانية عندما أمر مساعدية عام 1946 بكتابة دستور جديد لليابان. وبالفعل قاموا بكتابته وأجبروا الشعب الياباني على الموافقة عليه عام 1947.(1)

ولعل من الطريف في هذا الدستورهوالمادة التاسعة فيه، والتي تنص على منع اليابان من الاشتراك في أي حرب إلى الأبد!!! إذ تنص هذة المادة على الآتي : “تأكيدا للسلام الدولي المؤسس على النظام والعدل، يدين الشعب الياباني الحرب إلى الأبد، ويتنازل عن حقه الوطني في التهديد باستخدام القوة كأذاة لحل النزعات الدولية.”(2)

والعجيب أن أمريكا التي فرضت هذة المادة على الشعب الياباني عام 1947، ها هي اليوم تستجدي اليابان لمساعدتها في حفظ السلام العالمي!!

2. التعاقد
وهذه الطريقة لوضع الدساتير تفترض أن السلطة التأسيسية تعبر عنها إرادتان: إرادة الحاكم أوالسلطة الحاكمة من جهة، وإرادة الشعب أو القوى السياسية في المجتمع من جهة أخرى. والذي يحدث في هذه العملية هو أن ممثلي الشعب وقواه السياسية يقومون بوضع مشروع دستور، ثم يعرضونه على السلطة الحاكمة التي توافق عليه بعد تعديله. وعند التقاء الإرادتين يتم وضع الدستور، ويعرض على الشعب للاستفتاء عليه. فعلى سبيل المثال في جنوب إفريقيا تم الاتفاق عام 1994 بين الأقلية الحاكمة، والأكثرية، على صياغة دستور لحكم البلاد. وهذا الاتفاق تم التوصل إليه بعد سنتين من التفاوض بين جميع الأطراف (3).

3. الجمعية التأسيسية أو المؤتمرالدستوري (معينة أم مختارة)
وهي عبارة عن لقاء ممثلي الولايات أو المناطق أو القوى السياسية والاجتماعية التي ترغب في صياغة الدستور وهذه الطريقة تعني أن ممثلي الشعب المختارين مباشرة (أو المعينين) لغرض وضع الدستور، هم الذين قاموا بوضعه فعلاً. وأنه بمجرد إقرارهم للدستور في صياغته النهائية، يصبح الدستور بذاته نافذا دون أن يتوقف ذلك على إقرار من أحد. وتنتهي مهمة الجمعية التاسيسية (أوالمؤتمر الدستوري) بانتهاء وضع وإقرار وإصدار الدستور.

والحقيقة أنه قد تم وضع أغلبية الدساتير بهذه الطريقة. ولعل الدستور الأمريكي الذي وضع فيما عرف بمؤتمر فيلادلفيا عام 1787 يعتير من أهم هذه الدساتير. لقد كان المؤتمر الدستوري لكتابة الدستور الأمريكي عام 1787 هو أطول المؤتمرات الدستورية في التاريخ. إذ استمر لمدة 116 يوما (من 25 مايو إلى 17 سبتمبر من عام 1787). وشارك في هذا المؤتمر 55 مندوبا من مجموع 74 مندوبا تم دعوتهم، يمثلون 12 ولاية من مجموع 13 ولاية – إذ أن ولاية رودارلند رفضت الحضور والمشاركة في هذا المؤتمر. والحقيقة أن المشاركين في هذا المؤتمر لم يكن واردا عند بدء اجتماعهم، ولا عند دعوتهم للاجتماع، أنهم سيضعون دستورا جديد للاتحاد. ولم يكونوا بالتالي مفوضين لوضع ذلك الدستور الذي يحكم أمريكا الآن. ولعل هذا ما دعا بعض المؤرخين إلى القول بأن الدستور الأمريكي وضع بطريقة غير شرعية.

لقد تم في هذا المؤتمر مناقشة مشروعين للدستور. المشروع (أو الورقة) الأولى قدمتها الولايات الكبيرة بقيادة ولاية فرجينيا، وقد تم رفض هذا المشروع من قبل الولايات الصغيرة. وكنتيجة لهذا؛ فقد قامت الولايات الصغيرة بقيادة ولاية نيوجرزي بتقديم مشروع مضاد، والذي تم رفضه أيضاً من قبل الولايات الكبيرة. مما أدى إلى استمرار النقاش والجدال بين الفريقين لأسابيع عديدة. وبعد فترة من النقاش والجدال، تم التوصل إلى حل وسط، عرف في التاريخ الأمريكي بمشروع كنيتكت أو “الحل العظيم”، والذي أدى إلى موافقة الجميع عليه، وأصبح دستور البلاد الذي يحكمها حتى يومنا هذا.

4. الدائرة المستديرة (أو لقاء المعارضة والحكومة
هو أداة توفر لكل من المعارضة ونظام الحكم فرصة التفاوض والحوار البناء، من أجل الاتفاق على مشروع دستور جديد لكيف يتم حكم البلاد. وهذا التفاوض والحوار البناء يتم في شكل دائرة مستديرة للمفاوضات بين كل الفرقاء، كما حدث في أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات. فقد قام الحزب الحاكم في بولندا – على سبيل المثال – بدعوة كل القوى السياسية في المجتمع، والتفاوض معها لصياغة دستور جديد، وقد استمرت هذه العملية حوالي تسع سنوات. بدأت عمليات التفاوض والإصلاح التدريجي للحكم الماركسي في بولندا عام 1989. وفي هذة السنة نجحت المفاوضات في القيام بإجراء تعديلات في الدستور، وكنتيجة لهذه التعديلات تم الاتفاق على أن تكون السلطة التنفيدية مشاركة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

ونتيجة لزيادة الضغط من القوى المعارضة، قام رئيس الجمهورية عام 1990 باقتراح تعديل جديد للدستور، وذلك بأن يتم انتخاب الرئيس عن طريق الشعب بدلاً من انتخابه عن طريق البرلمان؛ وكنتيجة لهذا التعديل استطاع مرشح المعارضة الفوز في انتخابات الرئاسة. وفي عام 1991 قام البرلمان – الذي سيطرت عليه المعارضة – بتشكيل لجنتين دستوريتين: واحدة في مجلس الشيوخ، والثانية في مجلس النواب. وفي عام 1992 نجحت المعارضة في إقناع البرلمان بالموافقة على ما أطلق علية بـ “الدستور الصغير”، وتم أيضاً اعتماد إجراءات من أجل كتابة دستور دائم للبلاد. وكنتيجة لهذه الإجراءات تم الموافقة على الدستورالدائم في استفتاء شعبي عام 1997.(4)

أما في جنوب إفريقيا، فلقد قام الحزب الحاكم (الحزب العنصري) بدعوة كل القوى السياسية الأساسية في المجتمع للجلوس على دائرة مستديرة، لصياغة دستور جديد. وقد أخدت عملية صياغة الدستور أكثر من سبع سنوات (من 1989 إلى 1996). فقد مرت أربع سنوات ما بين أول اجتماع بين زعيم المعارضة نلسن مانديلا زعيم المؤتمرالوطني الإفريقي، ورئيس الحكومة “بوثن” عام 1989. لقد تم في هذا اللقاء الاتفاق على كتابة دستور مؤقت، وإجراء أول انتخابات غيرعنصرية عام 1994. وفي عام 1993 اجتمعت كل القوى السياسية الرئيسية في البلاد (26 مجموعة سياسية) من أجل الاتفاق على صياغة دستور جديد لإنهاء العنصرية. ونظراً لأن هذة المجموعات كانت غير منتخبة من الشعب، فقد اتفقوا على أن يكون الدستور الذي وافقوا عليه بعد مفاوضات دامت ستة شهور هو مجرد “دستورا مؤقت”. وقد اتفقوا أيضا على أن يكون هذا الدستور المؤقت هو الأساس والموازنة التي يجب اعتبارها والإلتزام بمبادئها عند كتابة الدستور الجديد. وبالفعل فقد تم في عام 1994 إجراء أول انتخابات برلمانية شارك فيها كل أبناء الشعب، وكانت نسبة المشاركة قد فاقت 86%. هذا وقد تم تكليف البرلمان الجديد بأن يقوم بدور الجمعية الدستورية التي ستكتب الدستور وفقا للمبادئ التي نص عليها الدستور المؤقت.(5)

وفي نوفمبر 1995 نجحت اللجنة الخاصة بكتابة الدستور في الاتفاق على الصباغه الأولى وفقا لشروط الدستور المؤقت الصادرعام 1994. وبعد نقاش طويل قامت الجمعية الدستورية بتقديمه إلى المحكمة العليا – كما اشترط الدستور المؤقت – لمراجعته. وفي المدة ما بين يوليو إلى سبتمبر 1996 قامت المحكمة العليا بمراجعة مواد الدستور المقترح، وأرجعتة إلى الجمعية الدستورية من أجل تعديله، وبالفعل قامت الجمعية بذلك. وفي نوفمبر تم إرجاعه إلى المحكمة العليا بعد إجراء التعديلات عليه. وبالفعل قامت المحكمة العليا بالموافقة على المشروع في ديسمبر من نفس السنة، واعتمده الرئيس نلسن مانديلا، وتم اعتماده كدستور دائم للبلاد.

رابعا: أهم القضايا الدستورية التي يجب التعامل معها
1. تحديد حريات وحقوق وواجبات المواطن.
2.الفصل بين السلطات.
3.علاقة الحاكمية بالمشروعية الدستورية.
4.علاقة السيادة القانونية بالرقابة الدستورية.
5. شكل الحكومة (برلمانية أم رئاسية.
6.علاقة الدستور بالدستورية.

1. تحديد حريات وحقوق وواجبات المواطن
القضية الاولى التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها هي قضية ” تحديد حريات وحقوق وواجبات المواطن.” بمعنى ما هي أهم القضايا التي يجب الاتفاق عليها وتعريفها هي قضية الحريات ومجموع الحقوق التي يجب أن يتمتع بها والواجبات التي يجب ان يقوم بها كل انسان في الدوله. بمعنى ما هي أهم الحريات التي يجب الا تخضع لآي سلطة؟ وهل يحق للانسان ان يعمل ما يشي متى شاء واينما شاء. وما هي الحقوق التي يجب على السلطة توفيرها لكل مواطن؟ بمعنى هل التعليم المجاني – على سبيل المثال – حق لكل مواطن؟ وهل توفير العلاج لكل انسان من واجبات الدوله؟ وهل توفير السكن اللائق لكل محتاج من مهام المجتمع؟.

2. الفصل بين السلطات.
القضية الثانية التي يجب على الذين سيكتبون الدستورالتعامل معها هي قضية “الفصل بين السلطات”، والغرض الأساسي من الفصل بين السلطات هو منع الاستبداد، وتركز السلطة في يد مجموعة صغيرة من الأشخاص. ولعل من أشهر أنواع الفصل بين السلطات هو الفصل بين الوظائف في الحكومة الواحدة، وخصوصا الفصل بين الوظائف الرئيسية الثلات: التشريعية والتنفيدية والقضائية. بمعنى أن المسؤولين الذين يصنعون القوانين يجب ألا يكونوا هم الذين ينفذونها، والذين لهم حق تفسيرهذه القوانين يجب أن يكونوا مجموعة ثالثة. والسؤال المهم في هذا الصدد هو: إلى أي مدى يمكن فصل هذه السلطات؟ وهل يتعم الاكتفاء بمجرد الفصل بين هذه السلطات؟ والإجابة بالطبع لا، وذلك لأن فكرة الفصل بين السلطات يجب ألا يكون غاية في حدّ ذاتها. ولا بد لهذا الفصل لكي يكون ناجحا ومؤثرا أن يرتبط ببعضه البعض. ويمكن تحقيق ذلك بتطبيق مبدأ “المراقبة والاتزان”، وذلك بإعطاء كل سلطة الأدوات الدستورية الضرورية لمراقبة السلطات الأخرى، والمشاركة معها في اتخاد القرارات من أجل تحقيق التوازن.

ولعل أحسن مثال على ذلك هو ما أعطاه الدستور الأمريكي لرئيس الجمهورية من نقض قرارات مجلس التشريع (الكونجرس). وفي نفس الوقت إعطاء الحق لمجلس التشريع لإلغاء “حق النقض” إذا وافق المجلس بأغلبية الثلثين على القرار. ومن جهة أخرى أعطى الحق للمحكمة العليا لمراجعة كل القرارات لتأكد من دستوريتها. والحقيقة أنه إلى جانب مبدأ الفصل بين الوظائف، هناك العديد من الأساليب لتحقيق هذا الهدف. ولعل من أشهرها الأساليب التالية:

أ. تعدد المجالس (ازدواج مجلسي البرلمان).
ب. تعدد وسائل الاختيار (أساليب مختلفة لاختيار المسؤولين السياسيين.
ج.اختلاف الفترات الانتخابية (أو التعيين.
د. توزيع السلطات بين سلطاتين أوأكثر.

(أ) ازدواج مجلسي البرلمان : قد يتم لاغراض عدة لعل من أهمها: التمثيل الجغرافي، أوالتمثيل العددي، أو تمثيل الأجيال (العمر). ففي بعض الدول يتكون البرلمان من مجلس واحد، وفي البعض الآخر يتكون من مجلسين. وفي الحالة الأخيرة، يقال أن الدولة “تأخد بمبدا ازدواج مجلسي البرلمان. ويعد ازدواج مجلسي البرلمان – كما يرى بعض علماء الفقه الدستوري الفرنسي – أحد ضمانات الحريات في المجتمع”.(6)

والحقيقة أن فكرة المجالس التشريعية من مجلسين لم تتكون اعتباطاً، ولا للرغبة في تأليف هيئات مختلفة العناصر. ففي العادة حينما تتكون الهيئة التشريعية من مجلسين، فإن أحد المجلسين يتكون من الأعضاء الأصغر سناً، ويسمى مجلس النواب، والمجلس الثاني يتكون من الأعضاء الأكبر سنا ويسمى عادة بمجلس الشيوخ. أو كما هو الحال في برلمان بريطانيا، فإن أحد المجلسين يضم أعضاء من الشعب، بينما الثاني يضم أعضاء من ذوي الثراء والنفوذ، والذين في الدولة. لقد نشأ البرلمان ذو المجلسين في انجلترا بسبب النزاع الذي كان قائما بين الملك وأمراء الأقاليم، وكان الملك هو صاحب السلطة المطلقة في البلاد، ولكن أمراء الأقاليم كانوا أصحاب سيادة على أقاليمهم، وكذلك كانت سلطة هؤلاء الأمراء قيدا على سلطة الملك..”.( 7)

(ب) أساليب مختلفة لاختيار المسؤولين السياسيين: وهذا الأسلوب لتحقيق الفصل بين السلطات، يقوم على أساس التركيز على الكيفية التي يتم بها حصول المسؤولين على وظائفهم، كأن يتم تعيين بعضهم، وانتخاب بعضهم الآخر.

(ج) اختلاف الفترات الانتخابية (أو التعيين): وهذا الأسلوب لتحقيق الفصل بين السلطات، يقوم على أساس اختلاف الفترات الزمنية التي يحق لكل مسؤول أن يبقى في منصبه بعد انتخابة أو تعيينه. فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة يتم انتخاب عضو مجلس النواب لمدة سنتين، ويتم انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، ويتم انتخاب عضو مجلس الشيوخ لمدة ست سنوات، ويتم تعيين عضو (قاضي) المحكمة العليا مدى الحياة. وهذا الاختلاف في الفترات الانتخابية (أو التعيين) يقود في العادة إلى الاستقرار في الحكم، ومنع السيطرة بسهولة من قبل أي مجموعة على السلطه.

(د) توزيع السلطات بين حكومتين أو أكثر
وهذا باختصار يعني وجود نظام حكم فدرالي تتم فيه توزيع السلطات بين الحكومة الفدرالية (المركزية)، والمحافظات (أو الولايات) بحيت تكون السلطة مشاركة بين كل الحكومات في الدولة.

3. علاقة الحاكمية بالمشروعية الدستورية
القضية الثالتة التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها هي قضية “علاقة الحاكمية بالمشروعية الدستورية.” والمشروعية تعني ببساطة ان كل القوانيين لابد ان تكون مقبولة من قبل الشعب ولكي تكون مقبولة لابد ان تكون وفقا للدستور. بمعنى ان كل قانون يجب ان يكون موضع احترام من الجميع حتى من السلطة التي أصدرته وحتى من الذين لايتفقون مع غرضه أوهدفه. أما الحاكمية فاقصد بها هنا هي المرجعية التي نلجى لها عند الاختلاف في شي ما. وهذا يعني أحترام ما يطلق عليه “بالمشروعية الكلية،” أي احترام قاعدة التسلسل (أوالتدرج) في التصرفات القانونية وأحترام ما أفره الدستور. ومن جهة اخرى تعني ضرورة مطابقة كل القوانين الصادرة عن الدولة ومؤساستها لنص الدستور

4. علاقة السيادة القانونية بالرقابة الدستورية
القضية الرابعة التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها هي قضية “علاقة السيادة القانونية بالرقابة الدستورية”. هذا يعني أن رقابة الدستور وسيادة القانون، هما أمران متلازمان. إذ بغير رقابة دستورية تفقد فكرة سمو الدستور معناها. والذي أعنيه بالرقابة القضائية هنا هو التأكيد على دستورية كل القوانين.

وعليه فلا بد من وضع ضمانات لتحقيق سيادة الدستور، وذلك بفرض رقابة دستورية على القوانين لمنع كل محاولات الاستبداد والطغيان، وتنظيم الرقابة الدستورية يمكن أن يتم بالآتي:

أ. المرجعية القضائية
يعني حق السلطات القضائية في مراجعة القوانين والقرارات التنفيدية، لمعرفة مدى دستوريتها. فعلى سبيل المثال: في أمريكا أعطى الدستورالأمريكي المحكمة العليا الحق في النظر في أي قانون أو قرار إداري، والتأكد من دستوريته. وفي الهند أعطى الدستور الهندي المحكمة الدستورية العليا الحق في مراجعة (وإلغاء) حتى التعديلات الدستورية للدستور نفسه (هيجو 2002، 156).

ب. المرجعية السياسية
وهذه الرقابة تفترض أن الدستور قد عهد إلى هيئة معينة لمباشرة هذه المهمة مثل: ((أ) لجنة متخصصة منبتقة عن المجلس التشريعي كما هو الحال في بريطانيا. أو
((ب) عن طريق إنشاء مجلس دستوري (خبراء) كما هو الحال في فرنسا وإيران

5. شكل الحكومة (برلمانية أو رئاسية أو ملكية.
القضية الخامسة التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها هي قضية “شكل الحكومة.”

وهذا يعني : كيف يتم تطبيق الديمقراطية؟ وما هي أهم المؤسسات والآليات الانتخابية التي يمكن استخدامها من أجل إنجاح النظام السياسي؟ وكيف يتم التمثيل؟ وباختصار كيف يتم الربط بين الحاكم والمحكوم؟ بمعنى ما هو شكل الحكم الذي يمكن تطبيقه؟ والحقيقة أن هناك نمادج عديدة لعل من أهمها الآتي:

أولا:النموذج الملكي الذي يقوم فيه الشعب بتنصيب شخص منهم كملك عليهم. ويقوم هذا الملك ومساعدوه بتمثيل الشعب، وإدارة شؤون البلاد نيابة عنهم. ويقوم النظام الملكي على أساس أن هناك شخصا أو عائلة لها الحق الذاتي في تولي الحكم. يمتد حكم الملك مدى الحياة، وتنتقل السلطة من بعده إلى أحد أولاده أو بناته جيلاً بعد جيل، بمقتضى قانون التوريث المنصوص عليه في الدستور. ولهذا النموذج من الحكم عدة أنواع كالملكية الاستبدادية، وتتميز بأن حكم الملك هو القانون. والملكية المطلقة، وتتميز بأن السلطة العليا تتجمع في يد الملك الذي يخضع للقانون، ولكن له أن يغيره بإرادته. والملكية الدستورية المقيدة، وتتميز بالتسليم بحق الشعب في مشاركة الملك مهمة الحكم والتشريع.

ثانيا: النموذج البرلماني، وهو الذي يقوم على أساس أن الشعب يختار ممثليه في المجلس التشريعي. ومن ثم يقوم المجلس التشريعي باختيار الحكومة ورئيس الوزراء. وهذا النمودج هو أكثر أنواع الحكم انتشارا في العالم. ولعل من أهم مزاياه الآتي: (أ) الشعب يختار المجلس التشريعي. (ب) المجلس التشريعي يختار ويوافق على الحكومة. (ج) في هذا النظام لا يوجد فصل بين السلطات. بمعنى أن البرلمان يملك حق التشريع، وحق التنفيذ للقرارات التي يشرعها. (د) على الحكومة أن تقدم سياساتها، وتتحمل مسئولياتها أمام المجلس. (هـ) من حق المجلس أن يسحب الثقة من الحكومة متى شاء.

ثالثا: أما النموذج الثالث، فهو النموذج الرئاسي الذي ترجح فيه كفة الرئيس، ولكن يوجد فصل واضح ما بين السلطات الثلات: التشريعية، والتنفيدية، والقضائية. بمعنى أن الرئيس في هذا النموذج لا يعتمد على البرلمان، لأن الرئيس يتم انتخابه عن طريق الشعب مباشرة. ومن جهة أخرى لا يستطيع البرلمان عزل الرئيس إلا إذا نص الدستور على ذلك. ولهذا يمكن اعتبار النظام الرئاسي أكثر استقرارا من النظام البرلماني. ولكن من أهم عيوب النظام الرئاسي في بعض الأحيان هو تصادم الرئيس مع البرلمان، خصوصاً عندما يكون الرئيس من كتلة سياسية تختلف عن الكتلة السياسية المسيطرة على البرلمان.

6. علاقة الدستور بالدستورية
القضية السادسة التي يجب على الذين سيكتبون الدستور التعامل معها هي قضية “علاقة الدستور بالدستورية”. والدستورية تعني ضرورة أن تكون كل القواعد القانونية التي يسنها الجهاز التشريعي في الدولة متفقة مع أحكام الدستور وغير مخالفة له. كذلك يجب على الجهاز التنفيذي أن يكون دائما في حدود الأطر الدستورية. والدستورية هي العقيدة السياسية التي تقوم عليها الدولة، والفكرة التي يقوم عليها الحكم الدستوري. وبمعنى آخر هي مجموعة المثاليات والقيم التي تؤكد محدودية الحكومة، وحماية حقوق الإنسان في الدولة.

والدستورية هي أعم وأشمل من الدستور. فهي ليست كل ما هو مكتوب في الدستور فقط، وإنما تشمل كل ما لا يتعارض مع الدستور. بمعنى أنه قد توجد في المجتمع أشياء كثيرة سكت عنها الدستور، ولكنها دستورية. وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود الدستور في بلد ما، لا يعني وجود الدستورية، بل قد يكون العكس هو الصحيح. وبمعنى أن الدول التي بها دساتير سيئة – في تصوري – هي أسوأ من الدول التي ليس بها دستور؛ وعليه فجوهر الدستورية هو أن سلطات الدولة لا بد أن تكون محدودة. والامتحان الدستوري الذي يجب استخدامه للحكم على صلاحية أي دستور، هو الذي يشترط توفر أربعة شروط لكي تتحقق الدستورية. هذه الشروط هي:
1. شرط التكوين أو التاسيس (بمعنى تأسيس السلطات)
2. شرط التنظيم (بمعنى تنظيم السلطات)
3. شرط التوزيع (بمعنى توزيع السلطات)
4. شرط التحديد (بمعنى تحديد السلطات)

الخاتمة
في اعتقادي أنه بالرغم من كل التحديات التي ستواجه الشعب، إلا أنه لا بديل عن الدستور في أي مجتمع يريد أن يعيش في أمن وأمان. وذلك لأن الدستور هو الميثاق الذي يمنح السلطة للسياسيين، وعن طريقه يمكن سحب هذه السلطة منهم. والدولة التي لا تملك دستورا، يملك السلطة فيها الأقوياء، وبدون حق. ولكي يكون الدستور دستورياً، لابد أن يقوم على أساس العدل، ومن أجل تحقيق إرادة الشعب، وهذا يتطلب إشراك كل المواطنين في العملية الدستورية، ولكي يتم إشراك الجميع، لا بد من إيجاد وعي وثقافة دستورية عالية. ولا بد من بذل كل الجهود التعليمية والتثقيفية، واستخدام كل أساليب وأدوات الإعلام والصحافة، وخصوصا الصحف والمجلات والإذاعات المرئية والمسموعة والإنترنت من أجل تحقيق هذا الهدف.

والله المستعان
________________________________________
berween@hotmail.com

1. The Constitution of Japan, Wikipedia, 2006, http://en.wikipedia.org/wiki/Constitution_of_Japan
2. Lessons on the Japanese Constitutionو Lynn Parisi. November 2002 http://www.indiana.edu/~japan/Digests/const.html

3. Rod Hague, Martin Harrop, and Shaun Breslin (2002), “Political Science: A Comparative
Introduction,” 2/e
4. The Constitution Reform Process.

http://www.undp.org/governance/docs/Part-Pub-constitution.htm

5. John Dugard, “International Law and the South African Constitution.”

http://www.ejil.org/journal/Vo18/No.1/art4.html

6. عبد الحميد متولى (1974) “الحريات العامة”.
7. محمود حلمى (1975) “المبادى الدستورية العامة” الطبعة الرابعة. دار الفكر العربى.


من أنظمة الحكم السياسية ( 3 من 3 ) التوزيع الزمنى للسلطات

4 يونيو 2011

Libyan Writer Dr. Mohammed Berween



د. محمد بالروين


Monday, 5 March, 2007


   


من أنظمة الحكم السياسية
( 3 من 3 )
التوزيع الزمنى للسلطات

د. محمد بالروين

لو دامت لغـيرك … ما وصلت إليك

فى المقال الاول حاولت تركيز حديتى على البعد الاول من توزيع السلطات والذى أطلقت عليه “التوزيع الوظيفى للسلطات” بمعنى كيف يجب أن تكون العلاقة بين السلطات الثلات: التشريعية, والتنفيدية, والقضائية فى الحكومة الواحدة.” وفى المقال الثانى قد تناولت البعد الثانى من توزيع السلطات والذى أطلقت عليه “التوزيع الهيكلى (أوالادارى) للسلطات.” والذى عنت به الكيفية التى يتم بها الفصل بين الحكومات وتوزيع السلطات بينها. بمعنى لابد على كل دولة عصرية الاهتمام بالبعد الاقليمى (أوالجغرافى) والعمل على اثقان ادارته وحسن التعامل معه. أما فى هذا المقال فسوف يرتكز حديتى على البعد الثالت — والاّخيرفى هذة السلسله — من توزيع السلطات والذى سأطلق عليه أسم: “التوزيع الزمنى للسلطات.” بمعنى هل يجب أختيار كل المسؤولين السياسيين فى وقت واحد أم يجب أنتخابهم فى أوقات مختلفة؟ فى نظرى ليس كفاية ان يكون هناك فصل وظيفى ما بين السلطات ولاحتى فصل وظيفى وجغرافى لهذة السلطات اذا لم يكن هناك فصل زمنى فى الكيفية التى يتم بها أختيار المسؤولين فى هذة السلطات. بمعنى اذا اردنا ان نحقق العدل والحرية فلابد من أعطاء فترات زمنية مختلفة للمسؤولين فى هذه السلطات حتى تعطى فرص أكثر للشعب لتأكد من عدم محاولة سيطرة مجموعة معينة على أمور الدوله دون رضاه. ولعله من المناسب هنا أن نسترشد بمجموعة من تجارب الاخرين الذين نجحوا فى هذا الشان وحققوا بذلك الاستقرار. ولعل التجارب الاربعة الاتية قد تودى هذا الغرض:

أولا: التوزيع الزمنى للسلطات فى النظام الامريكى

الرسم البيانى التالى رقم (1) يوضح هذة الدوائر الزمنية للسلطات المختلفة فى أمريكا..

هذا الرسم البيانى يوضح ان هناك أربع دوائر زمنية للسلطات الاربعة الرئيسية فى النظام الامريكى. هذة الدوائر الزمنية هى دوائر تابتة مع أختلاف مدتها الزمنية. فقد حدد الدستور الامريكى مدة أعضاء مجلس النواب بسنتين يحق للعضو اعادة ترشيح نفسه عند أنتهاء مدته, ومدة رئيس الجمهورية بأربع سنوات (يحق للرئيس اعادة ترشيح نفسه مرة وأحدة فقط وقد ثم هذا نتجة لتعديل الدستور عام 1951). أما بالنسبة لمجلس الشيوخ فان المدة الزمنية هى ست (6) سنوات ويحق للعضو اعادة ترشيح نفسه عند أنتهاء مدته. ويشترط الدستور أن يتم أنتخاب أعضاء المجلس فى ثلات مجموعات مثتالية. بمعنى يتم انتخاب ثلت اعضاء مجلس الشيوخ فى نفس الوقت فقط. أما بالنسبة للقضاة فانه يتم تعينهم لمدى الحياة. وطريقة تعيين القضاة هى عملية مشتركة بين رئيس الجمهورية الذى له حق ترشيح القضاة من جهة ومجلس الشيوخ الذى يجب ان يوافق على هؤلاء المرشحين لكى يصبحوا قضاة.

ثانيا: التوزيع الزمنى للسلطات فى النظام الفرنسى
الرسم البيانى التالى رقم (2) يوضح هذة الدوائر الزمنية للسلطات المختلفة فى فرنسى.

فى فرنسا هناك دائرتان زمنيتان لتوزيع السلطات المختلفة كما هو موضح فى الرسم البيانى رقم (2). فى الدائرة الاولى والتى مدتها خمس (5) سنوات يشترك فيها كل من رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس النواب (أو الجمعية الوطنية). فأعضاء الجمعية الوطنية يتم أنتخابهم من قبل الشعب على أساس الدوائر الانتخابية. ويتم أنتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب ويمكن أعادة أنتخابه لمرة وأحدة فقط.
و فى الدائرة الثانيةوالتى مدتها تسع (9) سنوات يشترك كل من القضاة وأعضاء مجلس الشيوخ. ويتم أنتخاب مجلس الشيوخ عن طريق ممثلين عن الولايات وأعضاء الجمعية الوطنية. أما أعضاء المجلس الدستورى التسع فيتم تعيينهم عن طريق رئيس الجمهورية الذى يعين ثلت (3), ورئيس الجمعية الوطنية الذى يعين ثلت (3), ورئيس مجلس الشيوخ الذى يعين ثلت (3) أيضا.

ثالثا: التوزيع الزمنى للسلطات فى النظام البريطانى

فى النظام البرلمانى عموما يتم انتخاب مجلس النواب فقط. بعنى ان المؤسسة الوحيدة التى يختارها الشعب أختيار مباشر مجلس النواب. وعليه فمجلس النواب هو الذى له حق تشكيل (أو اعادة تشكيل) الحكومة. والرسم التوضيحى التالى يشرح المدة الزمنية لكل سلطة فى النظام البريطانى. والرسم البيانى التالى رقم (3) يوضح هذة الدوائر الزمنية للسلطات المختلفة فى بريطانيا.

فى هذا النظام (وفى النظام البرلمانى عموما) لاتوجد مدة ثابتة لدورة الانتخابات. وكل ما يشترطه قانون الانتخابات البريطانى هو ان يتم أجراء الانتخابات خلال خمس سنوات. وقد أجاز هذا القانون لرئيس الوزراء الى اجراء انتخابات جديدة متى أعتقد انه مناسب لذلك. ليس هذا فقط بل لايوجد حدّ أدنى الى عدد الانتخابات التى يمكن أن يدعو لها رئيس الوزراء. فعلى سبيل المثال فقد قام رئيس الوزراء البريطانى بالدعوة الى اجراء أنتخابات عامة مرتين عام 1974 (كيزلمن, 1996, ص75).

والحقيقة ان بريطانيا لا توجد بها ما يعرف بالمحكمة العليا كما هو الحال فى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية. ولا يوجد بها مجلس دستورى كما هو الحال فى فرنسا. والذى يوجد هو نظام قضائى معقد من المحاكم التى تترأسها محكمة أستئناف وهى عبارة عن لجنة من لجان مجلس الشيوخ. تتكون هذة المحكمة من خمس (5) قضاة يعينهم رئيس الوزراء ويستمروا فى مناصبهم حتى سن السبعين عام من العمر (وهى سن التقاعد), (ماكورمك, 2005, ص103). والذى يقوم بتعيين هؤلاء القضاة هو المستشار القانونى (الذى هو عضو من أعضاء مجلس الوزراء) أوعن طريق رئيس الوزراء بعد أستشارة المستشار القانونى. بمعنى هذة اللجنة هى فى الحقيقة لجنة سياسية أكثر منها قضائية.

رابعا: التوزيع الزمنى للسلطات فى النظام الالمانى

الرسم البيانى التالى رقم (4) يوضح هذة الدوائر الزمنية للسلطات المختلفة فى ألمانيا..

أن الانتخابات فى ألمانيا هى أنتحابات برلمانية بالدرجة الاولى. بمعنى أنه يتم أنتخاب مجلس النواب عن طريق الشعب فقط. ومجلس النواب يقوم باختيار الحكومة ويحاسبها ويستطيع عزلها متى شاء. ومجلس النواب فى ألمانيا يتم أنتخابة مرة كل أربع (4) سنوات. بمعنى يحق لرئيس الوزراء (المستشار) للدعوة لانتخابات جديدة قبل نهاية الاربع سنوات اذا أراد.

أما السلطة القضائية فى ألمانيا فهى تتجسد فى المحكمة العليا التى تتكون من ست عشر (16) قاضيا أغلبهم من المتخصصين فى القانون وفى العادة أغلبهم من أساتدة القانون أو من الرجال الذين مارسوا القضاء لسنوات عديدة. يعين نصف هؤلاء القضاة (8 قضاة) مجلس النواب, ويعين النصف الاّخر المجلس الفدرالى (مجلس الشيوخ) ويتطلب الموافقة على هؤلاء القضاة بأغلبية الثلتين (3/2) من أعضاء كل مجلس. وعندما يتم أختيارهم يتوقع من هؤلاء القضاة ان يكونوا محايدين وعادين. وكل القضاة يستمروا فى أعمالهم لمدة أثنى عشر (12) سنه غير قابلة للتجديد.

وهذة المحكمة هى أعلى سلطة فى البلد ولها حق مراجعة الدستور. بمعنى ان تفسيرها للدستور هو التفسير النهائى والذى يجب أعتماده فى كل أنحاء البلد وقد أطلق عليها الكثير من الباحتين فى هذا الشأن “أقوى مؤسسة قضائية فى أوروبا” (سودارو, 2001, ص518).

أما رئيس الجمهورية فى ألمانيا فهو غير منتخب من قبل الشعب ولكن يتم أنتخابة لمدة خمس سنوات من المؤتمر الفدرالى الذى يتكون من مجموع أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ وعدد مساوى لهم يمثلون الولايات. والرئيس “يرأس ولا يحكم.” بمعنى هو مجرد رمز لرئاسة الدوله ويقوم بأعمال رمزية وتنسيقية بين المؤسسات الاخرى فى البلاد. ولعل أهم عمل يقوم به هو تعيين زعيم الكتلة (أو الحزب) الذى يتحصل على الاغلبية فى مجلس النواب على ان يشكل الحكومة الجديدة

أما فيما يتعلق بالمجلس الفدرالى (أو مجلس الشيوخ) فهو يتميز بمشاركة كل الولايات فيه. بمعنى ان هذا المجلس يمثل فى الحقيقة الولايات مباشرة. وبالتالى فان أعضاء هذا المجلس يتم أختيارهم من حكومات الولايات وأيضا بقاءهم يتوقف على رضى الموالين فى هذة الحكومات.

خامسا: الخاتمة

من المناسب هنا أن أختتم هذا المقال بالسؤال الذى أبتديت به: هل يجب أختيار كل المسؤولين السياسيين فى وقت واحد أم يجب أنتخابهم فى أوقات مختلفة؟ ولعل من أهم الاشياء التى يجب أستخلاصها من هذا العرض هو ان عملية الفصل بين السلطات فى الفترات الانتخابية هو الامر السائد فى كل الانظمة الديمقراطية المعاصرة. وان التأكيد على محاولة الفصل ما بين السلطات فى الفترات الزمنية هو امر ضرورى لاسباب عديدة لعل من أهمها عدم السماح الى أى قوى سياسية من السيطرة على كل مؤسسات الدولة فى فترة زمنية ( فترة أنتخابية) واحدة. أن تعدد الدوائر الزمنية للسلطات سوف يمكن الشعب من أن يتخد قراراته بأكثر عقلانية ومن ثم التأكد من ان أختيارات الشعب كانت على أقتناع وليس نتيجة لاى أسباب أخرى.

وأذا سلمنا بضرورة الفصل بين هذة السلطات, يبقى السؤال الذى يجب الاجابة عليه هو: ما هو النمودج الامثل (من النمادج الاربعة التى دكرتها أعلاه) الذى يمكن أعتمادة لحكم ليبيا المستقبل؟ وفى تصورى ان النمودج الالمانى (مع اذخال بعض التعديلات عليه) هو الانسب لنا اليوم. ولعل الرسم البيانى التالى رقم (5) يوضح الدوائر الزمنية المقترحة للسلطات المختلفة فى ليبيا.

هذا الرسم البيانى يوضح الاتى: (أ) يتم أنتخاب كل أعضاء مجلس النواب كل أربع سنوات على ان يمثل كل عضو دائرة أنتخابية واحدة ويحق للعضو اعادة ترشيح نفسه عند انتهاء مدتة. (ب) يتم أنتخابة رئيس الجمهورية لمدة خمس (5) سنوات ويحق للرئيس اعادة ترشيح نفسه مرة وأحدة فقط . (ج) أما بالنسبة لمجلس الشيوخ فان المدة الزمنية هى ست (6) سنوات ويحق للعضو اعادة ترشيح نفسه عند أنتهاء مدته. ويشترط أن يتم أنتخاب أعضاء المجلس فى ثلات مجموعات مثتالية. بمعنى يتم انتخاب ثلت اعضاء مجلس الشيوخ فى نفس الوقت فقط. (د) أما بالنسبة للقضاة فانه يتم تعينهم لمدمة عشر (10) سنوات غير قابلة للتجديد. وطريقة تعيين القضاة هى عملة مشتركة بين رئيس الجمهورية الذى له حق ترشيح القضاة من جهة ومجلس الشيوخ الذى يجب أن يوافق على هؤلاء المرشحين (بأغلبية الثلثين) لكى يصبحوا قضاة. أنا أعتقد ان هذا الفصل الزمنى للسلطات فى ليبيا المستقبل سوف يقود الى الاستقرار ويقضى على الاستبداد وسوف يقود بأذن الله على بناء ليبيا الخير والامن والامان. وفى الختام هذا مجرد راى أعتقد أنه الصواب فمن أتى براى أحسن منه قبلناه.

فالى الامام … و … الله المستعان.

د. محمد بالروين
berween@hotmail.com
________________________

المراجع :

1. Kesselman, Mark, el at (1996), “Comparative Politics at the Crossroads.” Toronto: D.C. Heath and Company.
2. McCormick, John (2004) “Comparative Politics. U.S.: Thomson: Wadsworth. 4/e
3. Sodaro, J. Michael (2001) “Comparative Politics: A Global Introduction>” Boston: McGraw- Hill


من أنظمة الحكم السياسية ( 2 من 3 ) التوزيع الهيكلى ( أو الاداري ) للسلطات

4 يونيو 2011

Libyan Writer Dr. Mohammed Berween



د. محمد بالروين


Friday, 23 February, 2007


   


من أنظمة الحكم السياسية
( 2 من 3 )
التوزيع الهيكلى ( أو الاداري ) للسلطات

د. محمد بالروين

فى المقال الاول حاولت تركيز حديتى على البعد الاول من توزيع السلطة والذى أطلقت عليه “التوزيع الوظيفى للسلطة” بمعنى كيف يجب أن تكون العلاقة بين السلطات الثلات: التشريعية، والتنفيدية، والقضائية فى الحكومة الواحدة.” وفى هذا المقال سوف أناقش بأذن الله البعد الثانى والذى سأطلق عليه “التوزيع الهيكلى (أوالادارى) للسلطات.” والذى أعنى به الكيفية التى يتم بها الفصل بين الحكومات وتوزيع السلطات بينها. بمعنى لابد على كل دولة عصرية الاهتمام بالبعد الاقليمى (أوالجغرافى) والعمل على اثقان ادارتة وحسن التعامل معه. والحقيقة التى لا جدال فيها ان نجاح هذة الادارة يتوقف على الهيكلية التى ستختارها الدوله.

ومن الاشياء المتعارف عليها ان الدستور يحدد الوظائف التى يجب على الحكومة القيام بها وأيضا يحدد المؤسسات الاساسية التى يجب ان تقوم بهذة الوظائف وكيف يتم توزيعها بين هذة المؤسسات. بمعنى هل يمكن تركيز هذة المؤسسات فى مكان واحد أم لابد من استخدام الاسلوب اللامركزى فى ادارتها؟ وفى الاجابة على هذا السؤال أختلفت اّراء المفكرين وعلماء السياسة. وهذا المقال هوعرض مختصر جدا لأهم ثلات أنظمة سياسية مقترحة فى هذا الخصوص:

1. النظام الاتحادى
2. النظام الكونفدرالى
3. النظام الفدرالى

أولا: النظام الاتحادى

الانظمة الاتحادية هى التى تجمع فيها كل السلطات فى يد الحكومة المركزية وان كل من حكومات الاقاليم والحكومات المحليه تستمد سلطاتها من الحكومة المركزية. بمعنى فى النظام الاتحادي كل القوانين تصدر من الحكومة المركزية ويترك أمر تنفيد هذة القوانين لحكام الاقاليم وتقوم الحكومة المركزية بتعيين هؤلاء الحكام. وقد تسمح للاقاليم بتشكيل مجالس تشريعية منتخبة (أومعينة) تساعد الحكام فى تسيير شئون الاقاليم. وسلطات الحكومة المركزية لا تقتصر على القضايا الرئيسية مثل أعلان الحرب والتجارة الخارجية والعلاقات الدولية بل تشمل تقريبا كل القضايا المحلية والاقليميه كالتعليم والصحه والاسكان والمواصلات … الخ. والامثلة على هذا النظام كثيرة لعل من أهمها الصين، وبريطانيا، واليابان، وفرنسا. فعلى سبيل المثال فى فرنسا يمكنك ان تجد فى أى يوم من أيام العام الدراسى كل الاطفال فى كل أنحاء فرنسا يتعلمون نفس المناهج ويقومون بنفس النشاطات الداراسية. والرسم التوضيحى التالى يشرح كيفية العلاقة بين الحكومة المركزية والمقاطعات والشعب فى هذا النظام..

مزايا النظام الاتحادى

لعل من أهم مزايا هذا النظام (1) تركيز السلطات فى مكان واحد يسهل عمليه أدارة الدولة ويقود الى سرعة اتخاد القرارات. (2) فى هذا النظام كل الاقاليم والادارات المحلية فى الدولة هى من صنع الحكومة المركزية ولها حق ايعادة تنظيم شكل نظام الحكم فى البلاد. (3) هذا النظام قد يكون الانسب للدول الصغيرة فى الحجم. و(4) هذا النظام هو أكثر الانظمة أنتشارا اذ نجد ان أكثر من 90% من دول العالم تتبنى هذا النظام.

عيوب النظام الاتحادى

لعل من أهم عيوب هذا النظام هو ان تركيز السلطة فى مكان واحد قد يسهل عملية السيطرة على مؤسسات الدولة وقد يقود الى الاستبداد. فكل الانظمة الدكتاتورية هى فى الاصل أنظمة مركزية.

ثانيا: النظام الكونفدرالى

الكونفدرالية هى المؤسسة التى تقوم فيها مجموعة من الاقاليم (أوالولايات) بتفويض الحكومة المركزية بالقيام بمجموعة من الوظائف دون ان تخسر هذة الاقاليم أستقلالها. بمعنى ان كل اقليم يبقى مستقلا داتيا وما دور الحكومة المركزية الا دور تنسيقى وتعاونى لخدمة مصلحة كل الاقاليم. وبمعنى اّخر فالكونفدرالية هى عبارة عن تجمع ضعيف ومحدود ما بين مجموعة من الدول المستقلة. يقوم كل عضو فى هذا التحالف بالمشاركة فى نشاطات الحكومة المركزية والالتزام بما يتم الاتفاق عليه. ولهذا فانه فى أغلب ألاحيان يشترط فى الانظمة الكونفدرالية لكى تنجح أن تتخد قراراتها بأسلوب الاجماع. ولعل خير مثال على هذا النظام هو الامارات العربية المتحدة والاتحاد الاوروبى ومنظمة الامم المتحدة والجامعة العربية وغيرها من المنظمات الدولية. والرسم التوضيحى التالى يشرح كيفية العلاقة بين الحكومة المركزية والمقاطعات والشعب.

مزايا النظام الكونفدرالى

لعل من أهم المزايا للكونفدرالية هى كيف يمكن لمجموعة من الاقاليم المستقلةعن بعضها البعض أن تبدا الحركة الجادة نحو توحيد هذة الاقاليم وهى بمعنى أخر اللقاء على سياسة الحدّ الادنى. أما الميزة الثانية لهذا النظام فهى تمكين الاقاليم من تحقيق أهدافها التى لا تستطيع القيام بها منفردة كما هو الحال فى الاتحاد الاوروبى من أجل تحقيق أهذاف أقتصادية، أوكما هوالحال فى منظمة أتفاقية الشمال الاطلسى المعروفة “بالنيتو.” من أجل تحقيق أهذاف عسكرية.

عيوب النظام الكونفدرالى

أما عن عيوب هذا النظام فعديدة لعل من أهمها: (1) غياب الاّليات لتحقيق الالتزام بالواجبات ما بين الاعضاء فى هذا النظام. بمعنى فى حالة رفض بعض الاقاليم الالتزام بواجباتها فلا توجد اى اّليات لدى الحكومة المركزية لأجبارها على ذلك. وهذا بالفعل ما حدت فى تجارب عديدة لعل من أشهرها عجز الحكومة الكونفدرالية الامريكية (1776 – 1787) عن القيام بأعمالها عندما رفضت الولايات دفع الضرائب التى كان من الواجب دفعها للحكومة الاتحادية مما قاد ذلك الى فشل الكونفدرالية. (2) فى حالة عجز الحكومة المركزية فى النظام الكونفدرالى قد تتحول هذة الحكومة الى عائق من أجل تحقيق الوحدة والاندماج بين الاقاليم. ولعل خير مثال على ذلك ما اّلت اليه مصير الجامعة العربية اليوم؟ (3) فى النظام الكونفدرالى لاتستطيع الحكومة المركزية القيام بأى شىء الا بموافقة حكومات الاقاليم علية. و(4) فى النظام الكونفدرالى تستطيع أى ولاية (أوأقليم) ألانسحاب من هذا الاتحاد متى أرادة على العكس من النظام الفدرالى الذى لا تستطيع فيه أى ولاية الخروج من الاتحاد بعد دخولها فيه.

ثالثا: النظام الفدرالى

النظام الفدرالى هو الذى توزع فيه السلطات على أساس مبدا المشاركة بين الحكومة المركزية وحكومات الاقاليم (أوالولايات). وهذة الفكرة الفدرالية هى محاولة للجمع ما بين اعطاء المواطنين فى أقاليمهم الحرية الكافية لأدارة شئونهم المحلية من جهة وتمكين الحكومة المركزية من أدارة الشؤون العامة للدولة من جهة أخرى. بأختصارالنظام الفدرالى هو الحل الوسط ما بين المركزية الكلية (الملك المطلق) من جهة واللامركزية الكاملة (أستقلالية الاقاليم). والحقيقة اننى عندما أتحدت على نظام الحكم الفدرالى فاننى لا أتحدت على نمودج واحدا أوهيكلية واحدة وذلك لان هناك أشكالا مختلفة للانظمة الفدرالية تختلف فى الكيفية التى يتم بها توزيع السلطات بين الحكومات المختلفة فى الدولة. فعلى سبيل المثال هناك نمادج فدرالية يتم فيها تحديد وتفصيل سلطات الحكومة المركزية فقط وتترك بقية السلطات لحكومات الاقاليم وهذا النوع يتم تطبقه اليوم فى كل من السويد وألمانيا ووماليزيا والولايات المتحدة. وعلى النقيض من هذا النمودج من الانظمة الفدرالية هناك نمودج أخر يقوم على أساس تحديد وتفصيل سلطات حكومات الاقاليم مع ترك ما تبقى من سلطات للحكومة المركزية ولعل خير مثال على هذا النمودج الفدرالى هو ما يطبق اليوم فى كل من الهند وكندا. ولعل الرسم التوضيحى التالى يشرح كيفية العلاقة بين الحكومة المركزية والمقاطعات والشعب فى هذا النظام.

مزايا النظام الفدرالى

الحقيقة ان هناك العديد من المزايا للنظام الفدرالى لعل من أهمها: (1) أن النظام الفدرالى كفكرة يمكن أعتباره من أعظم عمليات الهندسة السياسية. وذلك لانه حاول أن يوفق بين هدفين سياسيين يبدو متناقضين: الهدف الاول هو تكوين حكومة مركزية قويه وفاعلة، والهذف الثانى هو المحافظة على أستقلالية (أو شبه أستقلالية) حكومة الولايات. بمعنى أخر يمكن القول بأن النظام الفدرالى يقوم على أساس فكرة توزيع السلطات بين الحكومة المركزيه والحكومات الأخرى فى الدولة. (2) يتميز هذا النظام بأعطاء الحق لكل اقليم (أوولاية) بأن تكون لها سياساتها الخاصة بها بما لا يتعارض مع الدستور الفدرالى ولا يتعارض مع سياسات أو أثفاقيات الدولة الاتحادية. بمعنى يمكن أن يكون للولايات سياسات تعليمة أواسكانية أوصحية أوثقافية مختلفة عن بعضها البعض بما لايتعارض مع الدستور الفدرالى وسياسات الحكومة الفدرالية. (3) هذا النظام يمكن أعتبارة من أحسن الاجابات لحل مشكلة الحكم فى الدول كبيرة الحجم جغرافيا. والحقيقة أن كل الدول كبيرة الحجم جغرافيا والناجحة سياسيا قد تبنت هذا النظام مثل الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا و كندا والبرازيل ونيجيريا وجنوب أفريقيا وكندا. (4) هذا النظام هو الانسب للدول صغيرة الحجم جغرافيا وبها العديد من الاختلافات العرقية أواللغوية أوالدينية أوالجهوية ….الخ. ولعل أحسن مثال على هذا هو دولة سويسراالتى يقطنها حوالى 7,523,934 مواطن حسب احصائيات 2006 والتى لا تزيد مساحتها عن 41,290 كيلومتر مربع. وفى هذة المساحة الصغيرة يسكن ثلات شعوب: ايطالليون والمان وفرنسيون. وببساطه فان سر نجاحهم وتعايشهم مع بعض البعض هو نظامهم السياسى الفدرالى. (5) النظام الفدرالى يسمح لكل النشظاء السياسيون على المستوى المحلى والاقليمى من تحقيق مصالحهم وحاجاتهم المختلفة من خلال الدستور. (6) هذا النظام يحقق المبدا السياسى القائل: “التنوع من خلال الوحدة.” بمعنى السعى من أجل ايجاد حكومة مركزة قوة ومتماسكة مع السماح بالتنوع وشى من اللامركزية فى الدولة. وبمعنى اخر هذا النظام يساعد على تحقيق الوحدة بين أبناء الدولة دون التشاكل (أوالثماثل). (7) هذا النظام يشجع على تجربب المشاريع على مستويات صغيرة قبل تبنيها كسياسات شاملة ومكلفة. (8) هذا النظام يجعل السلطات قريبة من المواطنين. (9) وأخيرا هذا النظام سيحد من أمكانية أنتشار الاستبداد والطغيان ومنع أمكانية سيطرة مجموعة صغيرة على شؤون الحكم ببساطة.

عيوب النظام الفدرالى

لعل من أهم عيوب هذا النظام الاتى: (1) بطء العملية السياسية فى هذا النظام وفى بعض الاحيان أستحالة تحقيق الاهداف الكبيرة. فعلى سبيل المثال لايزال السياسيون فى الولايات المتحدة يناقشون قضية التأمين الصحى ومن المسئول عليه. بمعنى هل يجب على الدول الفدرالية توفير التأمين الصحى لكل المواطنين أم لا؟ ومن العجيب ان هذا النقاش قد بداء بصورة جدّية عام 1944 عندما أللقاه الرئيس الامريكى روزفلت خطابة المشهور والذى عرف بخطاب: “الحريات الاقتصادية فى أمريكا.” مند ذلك الحين والسياسيون فى نقاش حاذ حول هذا السؤال وحتى الان لم يتفقوا على حل ولا أعتقد أنهم سيصلوا الى اى حل فى القريب العاجل. (2) النظام الفدرالى قد يشجع الجماعات الجهوية والعنصرية أن تنموا وتقوى أذا لم يوضع لها ضوابط. وهذة الحرية فى النظام الفدرالى قد تقود أيضا الى اضعاف النظام وزعزعة أسسه والامثلة على ذلك كثيرة لعل أشهرها اليوم هو مثال كندا. ففى كندا يحاول مواطنوا أقليم “كوبك” المتحدتون بالفرنسية الخروج من الاتحاد باستخدام الاساليب القانونية لتحقيق أهدافهم وتأسيس دولتهم المستقبلية. والمثال الثانى هو ما تقوم به بعض الجماعات فى الهند من محاولة الخروج من السيطرة الهندية. ولعل من أشهر هذة الجماعات: “التامل نادو” و”البنجاب” و”الجامو” و”كشمير.” (3) خروج بعض القيادات العنصرية أو الجهوية التى قد تسبب الكثير من الازعاج للحكومة المركزية ويصعب عليها التعامل معها. (4) النظام الفدرالى قد يشجع على ثكاثر المؤسسات الحكومة وأزدواجية الاّليات الحكومية مما قد ينتج عنه الكثير من الاسراف والتبدير. (4) والنظام الفدرالى نظام معقد سياسيا بطبعه ونتيجة لهذا التعقيد قد يكون من الصعب فى أغلب الاحيان محاسبة ومراقبة السياسين المحاسبة الدقيقة.

رابعا : ليبيا الى أين؟

ان أول قرار سياسى أتخدته الجمعية الوطنية التى أعدت دستور 1951 هو ألاعلان بالاجماع يوم 2 ديسمبر 1950 على أن تكون: “ليبيا دولة ديموقراطية، فدرالية، ذات سيادة ….” وما ان ثم الاتفاق على هذه الاهداف حتى بداء النقاش بين أعضاء الجمعية فى معانيها. ولعل من أهم الافكار التى أثارت الكثير من النقاش والجدل هى فكرة الفدرالية. وحول الفكرة الفدرالية انقسم المؤسيسين فى هذا الشأن الى قسمين: قسم كان ينادى بنظام أتحادى قوى يقوم على أساس حكومة مركزية قوية. وتزعم هذا الجناح كل من المؤثمر الوطنى بزعامة الشيخ بشير السعداوى وجمعية عمر المختار بزعامة عبدالعزيز الساقزلى وكان تخوف هذا الفريق هو ان النظام الفدرالى ربما يعيق اتحاد ليبيا فى المستقبل وأنه يرسخ الجهوية (للمزيد أنظر بلت 1970 أو الخدورى 1963). أما الفريق الثانى بزعامة السيد ادريس السنوسى فكان لا يختلف مع الفريق الاول من حيت الهدف وأنما كان يؤمن بسياسة التدرج من أجل الوصول الى الوحدة الكاملة. والذى حل الاشكال هو الرسالة التى وجهها السيد أدريس السنوسى والتى بعتها للجمعية الوطنية يتعهد ويؤكد فيها بضرورة تكوين نظام فدرالى قوى تكون فيه للولايات الثلاث دور ادارى لا أستقلال ذاتى. وكنتجة لهذا الالتزام الادبى الذى تعهد به أدريس السنوسى ثم الاتفاق على تكوين نظام فدرالى يقوم على أساس الولايات الثلات: برقة وطرابلس وفزان كما هو موضحا فى الخريطة رقم (1)


الخريطة (1) : الولايات الثلات حتى عام 1963

وبناءا على هذا الاتفاق ثم تكوين نظام فدرالى برلمانى ثمتل فيه كل ولاية من الولايات بثمانية (8) أعضاء فى مجلس الشيوخ الذى كان يتكون من أربع وعشرين عضوا يعينهم الملك كما نصت المادة (94) من دستور 1951 التى تنص على أن:”يؤلف مجلس الشيوخ من أربعة وعشرين عضوا يعينهم الملك.” وبعد حوالى أثنى عشر (12) عام من هذا الحكم ثم تعديل الدستور وفقا للقانون رقم 1 لسنة 1963 ونتج عن هذا التعديل اعادة صياغة المادة (176) من الفصـل العاشـر المعنون “بالإدارة المحلية” من الدستور لتقرأ كالاتى: “تقسم المملكة الليبية إلى وحدات إدارية وفقا للقانون الذي يصدر في هذا الشأن ، ويجوز أن تشكل فيها مجالس محلية ومجالس بلدية ، ويحدد القانون نطاق هذه الوحدات كما ينظم هذه المجالس.” وكنتيجة لهذا التعديل ثم اعادة تقسيم ليبيا الى عشر (10) محافظات كما هو موضحا فى الخريطة رقم (2).


الخريطة (2): المحافظات العشر ما بين 1963 الى 1993

وأستمر هذا التقسيم الادارى لليبيا الى عام 1993 عندما قام حكم القدافى بأعادة تقسيم ليبيا الى خمس وعشرون (25) منطقة ادارية (أطلق عليها أسم الشعبية) كما هو موضحا فى الخريطة رقم (3).


الخريطة (3): التقسيم الادارى مند عام 1993 الى الان

خامسا : ليبيا ومبدأ الفدرالية

والسؤال الان هو: ما هو نظام الحكم الذى يناسب ليبيا ويلبى رغبات شعبها؟ بمعنىأى نوع من التوزيع الهيكلى (أوالادارى) للسلطات الذى دكرته أعلاه يتناسب مع ظروف ليبيا والتحديات المستقبلية التى تواجهها؟ فى تصورى المتواضع ان كل من ينظر فى الخيارات التى ذكرت أعلاه يمكن أن يستخلص الاتى: (1) ان ما قام به حكم القدافى بأعادة تقسيم ليبيا الى خمس وعشرون (25) منطقة ادارية (شعبية) مند عام 1993 الى الان لايمكن الاعتماد عليه لتاسيس دولة ليبيا الحديته والعصرية وذلك لانه تقسيم أدارى يهدف فى الاساس الى ترسيخ شىء واحد فقط هو قيام نظام حكم مركزى تسلطى ودون أعتبار الى أى مكونات علمية وموضوعية أخرى. بمعنى هذا التقسيم ثم القيام به لسبب واحد فقط هو أن تكون الاداة التى يمكن ان يتم بها تمكين وترسيخ حكم القدافى وأستمراره فقط . (2) من جهة أخرى فى تصورى ان أى محاولة للرجوع بليبيا الى مرحلة الولايات الثلات هى محاولة غيرعملية ولا توافق وتتماشى مع تحديات هذا العصر. بمعنى اخر ان تلك الفترة من تاريخنا هى فترة قد تجاوزها شعبنا ولايمكن أن تكون الحل الجاد للتحديات التى تواجهنا اليوم. فاذا كانت أوروبا على سبيل المثال والتى بها عشرات اللغات وعشرات الاقوام وشنت الحروب ضذ بعضها البعض لمئات السنيين هاهى اليوم تسعى الى تشكيل دولة واحدة يحلموا أن يكون أسمها: “الولايات المتحدة الاوروبية.”
وأذا كان هذا هو الواقع اليوم فى كل بقاع الارض وفى ثقافة كل الشعوب المتحضرة فما هو الداعى بالرجوع الى الخلف والاصرار على الجهوية بدل من الوطنية. وعليه فالرجوع والاعتماد على الولايات الثلات كأساس لنظام الحكم فى ليبيا المستقبل هو رجوع الى الخلف ولا يمكن أن يكون حلا للاشكال السياسى فى ليبيا ولن يكون خطوة نحو توحيد وترابط وتألف الشعب الليبى وسوف تكون محصلته خسارة الجميع. (3) فاذا سلمنا بهذا فان الخيار الاحسن والامثل فى أعتقادى لحكم ليبيا على الاقل فى المدى القريب هو تبنى ما سأطلق عليه النظام الفدرالى – الاتحادى الادارى كما نصت عليه المادة رقم (176) من الفصـل العاشـر المعنون “بالإدارة المحلية” من دستور دولتنا الدستورية الاولى (1951 – 1969) والتى تنص على الاتى: “تقسم المملكة الليبية إلى وحدات إدارية وفقا للقانون الذي يصدر في هذا الشأن ، ويجوز أن تشكل فيها مجالس محلية ومجالس بلدية، ويحدد القانون نطاق هذه الوحدات كما ينظم هذه المجالس.”

ولعله من الاشياء المهمة والرائعة فى هذة المادة أنها تنص على ان تقسيم ليبيا الى وحدات أدارية وفقا للقانون. بمعنى ان هذا المادة لم تنص على شكل معين ولاعدد للوحدات الادارية وأنما تركتها متغيرة وفقا لما ينص عليه القانون. الذى تقره الحكومة المركزية.

وأنطلاقا من هذا الفهم وتأكيدا على هذه المادة، وايمانا بمبذا الفدرالية – الاتحادية الادارية التى نادى بها دستور دولتنا الدستورية الاولى (1951 – 1969) أدعو الى تبنى هذة الفكرة مع محاولة تطبيقها بما يتمشى والتحديات التى تواجه بلادنا اليوم. ولعل من أهم ما يمكن التركيز عليه هو الاتى: أولا: أذا كان القانون الذى أصدرته الحكومة المركزية عام 1963 قد نص بأن تقسم ليبيا الى عشر أقاليم (محافظات) بذلا من ثلات ولايات كما توضحه الخريطة رقم (2) أعلاه، فاننى أقترح تبنى هذة الفكره مع أقتراح زيادة عدد الاقاليم (المحافظات) الى خمسة عشر (15) أقليم (أومحافظة) أو أكثر كما هو واضح فى الخريطة رقم (4)

أننى أقترح ضرورة زيادة عدد الاقاليم (أو المحافظات) الى – على الاقل خمس عشر (15) – كما هو واضحا أعلاه وذلك حتى نتمكن من تحقيق التوازن الادارى الامثل والفعال فى كل أنحاء الوطن وخصوصا زيادة ثمتيل المناطق الجنوبية والوسطى فى مجلس الشيوخ.

ثانيا: لكى يمكن تطبيق مبدأ الفدرالية الادارية التى نادى بها مؤسيسو دولتنا الدستورية الاولى لابد من تبنى فكرة مجلس الامة المؤسس من مجلسين: مجلس شيوخ ومجلس نواب كما نصت على ذلك المادة(93) من الفصل السابع التى تقول: “مجلس الامة يتكون من مجلسين: مجلس شيوخ ومجلس النواب.”
ثالتا: واذا ثم قبول مبدا الثمتيل الجغرافى والادارى المتجسد فى مجلس الشيوخ فلابد اذا من اعادة صياغة المادة (94) من دستور 1951 والتى تنص على ان: “يؤلف مجلس الشيوخ من أربعة وعشرين عضوا يعينهم الملك.” وذلك بأن يمثل كل محافظه (أوأقليم) بثلات (3) أعضاء فى مجلس الشيوخ على أن يتم أنتخاب كل عضو فى المجلس لمدة ست (6) سنوات، ويجدد اختيار ثلث (3/1) أعضاء مجلس الشيوخ كل سنتين، ومن أنتهت مدته من الآعضاء يجوز أعادة ترشييحه.
رابعا: لمجلس الشيوخ حق نقد كل السياسات والقوانين التى تتطلب (أو تشترط) على الاقاليم تنفيدها كالتعليم والصحة والضرائب وغيرها. وفى حالة اعتراض مجلس الشيوخ على اى مشروع لايصبح هذا المشروع قانونا الا اذا وافق عليه مجلس النواب بأغلبية الثلتين وأعتمده الرئيس. أما فيما يتعلق بالقضايا الاخرى فلمجلس الشيوخ الحق فى الاعتراض على اى قرار اّخر ولكن لمجلس النوب الحق فى الغاء هذا الاعتراض (أو النقد) بالاغلبية البسيطة.

خامسا: فيما يتعلق بالعلاقات الدولية والسياسات المالية وسياسات الدفاع والمحافظة على الوطن فهى من مهام الحكومة الفدرالية فقط. بمعنى هذة السياسات ليست من مهام الحكومات الاقاليم الا اذا قررت الحكومة الفدرالية عكس ذلك.

سادسا: يتم أقتراح مشروعات القوانين من قبل أى عضو فى البرلمان أو الحكومة أو رئيس الجمهورية. ومن حق مقدم الاقتراح أن يقترح الكيفية التى بها يجب على البرلمان أتخاد القرار، كأن تشترط ان يتم التصويت على المشروع بأسلوب “نعم” أو “لا” فقط.

سابعا: لابد من التأكيد على ان السيادة فى هذا النظام الفدرالى – الاتحادى هى فى النهاية هى للدستور ولقوانين الحكومة الفدرالية ولآثفاقياتها ومعاهداتها الدولية. بمعنى أى قرار أو أجراء يقوم به أى أقليم أو مواطن يتعارض مع الدستور وقوانين الحكومة الفدرالية ومعاهداتها الدولية يعتبر ملغى ولا يجب العمل به.

ثامنا: يحق لكل ولاية (أو أقليم) الحق فى ان يكون لها مجلسها التشريعى (يمكن ان يسمى مجلس الاقليم) وقد يتم انتخاب هذة المجالس لفترة معينة ولتكن مثلا أربع (4) سنوات. ولعل أهم دور لهذة المجالس هو ادارة ومراقبة القوانين الفدرالية بالدرجة الاولى.

تاسعا: يثم تعيين حكام (أومحافضى) الاقاليم (أوالمحافظات) من قبل رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس التشريعى المنتخب عليه.

عاشرا: يجب أن يسعى هذا النظام لتحقيق المبدا السياسى القائل: “التنوع من خلال الوحدة.” بمعنى السعى من أجل ايجاد حكومة مركزة قوية ومتماسكة مع السماح بالتنوع وشى من اللامركزية فى الدولة. بمعنى اّخر السعى من أجل تحقيق الوحدة بين أبناء الدولة دون التشاكل (أوالثماثل).

سادسا : الخاتمة

فى الختام هذة بعض الافكار حول مفهوم التوزيع الهيكلى (أوالادارى) للسلطات والذى أعنى به الكيفية التى يتم بها الفصل بين الحكومات وتوزيع السلطات بينها. أدعو الله عز وجل أن أكون قد وفقت. والحقيقة أننى لا أملك الا أن نؤكدهنا بان هذا مجرد راى أعتقد انه الصواب فمن أتى برأى أحسن منه قبلناة … فدعونا نبدء الحوار الجاد والبناء من أجل بناء ليبيا الغد.

يتبع … والله المستعان.

د. محمد بالروين
berween@hotmail.com
________________________

المراجع :

1. Adrian Pelt, Libyan Independence and the United Nations: A Case of Planned Colonization, New Haven: Yale University Press for the Carnegie Endowment for International Peace, 1970, p. 61
2. Majid Khadduri, Modern Libya: A Study in Political Development, Baltimore: The Johns Hopkins Press, 1963, p. 114


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.